قراءات

المنهج الجدلي في تحليل النصوص

جدليّة الانكشاف والاحتجاب

تحليل قصيدة المغتسلة لأبي نواس

الأستاذ: توفيق بكار

“… لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياساً ما وأن تصفها وصفاً مجملاً وتقول فيها قولاً مرسلاً، بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلام وتعدها واحدة وتسميها وتكون معرفتك معرفة الصانع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الابريسم الذي في الديباج وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع: وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظر وطلبتها هذا المطلب احتجت إلى صبر على التأمل ومواظبة على التدبر وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام وأن تربع إلا بعد بلوغ الغاية…” (عبد القاهر الجرجاني)

“… لا يمكن لأي بيان يفصل ما يختص ناقد ما من الذوق والرأي في الأدب أن يقوم مقام التحليل العلمي الموضوعي لفن الكلام”.

(رومان جاكبسن)

1- النص:

نضت عنها القميص لصب ماء فورّد وجهها فرط الحياء

وقابلت الهواء وقد تعرّت بمعتدل أرق من الهواء

ومدت راحـة كالمـاء منها إلى مـاء معـد في إناء

فلما أن قضت وطراً وهمَّت على عجل إلى أخذ الرداء

رأت شخص الرقيب على التداني فأسبلت الظلام على الضياء

فغاب الصبح منها تحت ليل وظل الماء يقطر فوق ماء

فسبحان الإله وقـد براهـا كأحسن ما يكون من النساء


(أبو نواس – الديوان)


” يعرف هذا النص في الكتب المدرسية باسم “المغتسلة” وليس هذا الاسم جزءاً أصيلاً من القصيدة وإنما هو عنوان وضعه لها –اجتهاداً –بعض “المنتقين” فحد لضيق الفهم أو الأخلاق من آفاق معانيها.2- المدخل: يعد هذا الشعر سبعة أبيات فهو في عرف النقد العربي القديم مقطوعة عند فريق وقصيدة عند فريق آخر ويخضع تأليفه لقاعدة “الوحدات الثلاث” التي كانت تتحكم في النظم الكلاسيكي: - وحدة البحر: وهو الوافر هنا وقياسه: مفاعلتن مفاعلتن فعولن في الصدر والعجز. - وحدة القافية: وقد وردت مركبة، أجزاؤها: حرف الروي: وحركة المجرى: كسرة وحرف الردف ا و حركة الحذو: فتحة ومجموعها اَ وهي النغمة التي يجب أن يقفل بها كل بيتَ. - وحدة البناء: في شكل عمودي ينفي مبدئياً كل هندسة مقطعية. إن اتفاق الأبيات في هذه الخصائص الفنية –بمقتضى المصطلح –قد يوهم بأن القصيدة كل متشابه شكلياً وليس الأمر كذلك لأن وراء ظاهر الشكل الرتيب تنويعاً دقيقاً يبرزه التحليل.3- التحليل: ثَمَّ منطق آخر غير المصطلح الفني وألطف منه يتحكم في توزيع الأبيات عبر القصيدة ومبدؤه الائتلاف أو الاختلاف المنتظم بين كافة مظاهرها الشكلية.

أ- الأبنية الشكلية:

- التركيب الثلاثي:

- صرفياً:

- الكلمات المقفاة في سائر الأبيات معرفة إلا في البيتين 3: “إناء” و6: “ماء”. فقد رتبت بحيث تخرج من التعريف إلى التنكير دورياً إذ يعود التغيير بانتظام بعد كل بيتين ويطرد إلى البيت 7 وثم ينقطع. - صوتياً: ويدعم هذا التضاد الصرفي معرفة # نكرة بين الكلمات المقفاة تقابل صوتي يخص الحركة السابقة للحذو فهي فتحة في البيتين 1 و2: “الحياء”، “الهواء” فتنقلب كسرة في البيت 3: “إناء” وهي كسرة في البيتين 4 و5: “الرداء”، “الضياء” فتنقلب فتحة في البيت 6: “فوق ماء” ثم تعود كسرة في البيت 7: “النساء”. -بين الكلمتين النكرتين: “إناء” و”ماء” –علاوة على اتحادهما وجوباً بين أجزاء القافية –جناس واضح ناتج عن قرب النون من الميم في المخرج واشتراكهما في صفة الخيشومية. بل يتسع هذا الجناس للكلمة التي تسبق في السياق كلا منهما: “في إناء”، “فوق ماء” لاتفاقهما في حرف الفاء. - فاختصاص هاتين العبارتين بتلك السمات الصرفية والصوتية يجعلهما شبه قافية جديدة أطول من القافية الرسمية وأثرى نغماً. وتصبح هذه القافية الجديدة لموقعها في القصيدة كاللازمة الشعرية ترجع دورياً في مسافة متساوية. فهي مثل القفل تنغلق به الأبيات ثلاثة ثلاثة. وهكذا يكشف البناء العمودي –في داخله –عن تركيب مقطعي: ثلاثي 1+ ثلاثي 2+ بيت 7 (بداية ثلاثي آخر) ([1]) وتنبني العلاقة بين هذه الأقسام في المستويات الشكلية على مبدأ مزدوج: إعادة من جهة وتغيير من جهة أخرى. 1- الإعادة: - نحوياً: -تندمج الكلمات المقفاة في أشكال جزئية تتابع عبر كل من الثلاثين حسب نظام واحد: ث1: إضافة –جار ومجرور –جار ومجرور: “فرط الحياء” – “من الهواء” –”في إناء” ث2: إضافة –جار ومجرور –جار ومجرور “أخذ الرداء” –”على الضياء” – “فوق ماء” بين بـ 1 من ث وب2 من ث2 توازن تام في صيغة البناء النحوي على أساس علاقة سببية بين جملتين تحتل كل منهما شطراً من البيت:نضت عنها القميص لصب ماء فورد وجهها فرط الحياة رأت شخص الرقيب على التداني فأسبلت الظلام على الضياءب7 يردد وفي موضع مشابه الجملة الاعتراضية الموجودة في ب2 من ث1: “وقد تعرت” “وقد براها”. - معجمياً: من حيث المرجع الدلالي وزعت الكلمات المقفلة في كل من الثلاثين حسب ترتيب واحد: ث1 [… “الحياء”= مجتمع … “الهواء”= طبيعة … “إناء”= مجتمع ث2 [… “الرداء”= مجتمع … “الضياء”= طبيعة … “ماء”= مجتمع (إذ الماء هنا بديل من “الحياء “كقولنا” ماء الوجه أو “ماء الحياء” وهو من معان الكلمة في هذا الموضع في القصيدة).* تبدو الطبيعة – في كل مرة – كالمنحصرة داخل فضاء يحده المجتمع فيوحي الترتيب بجدلية ممكنة بين الطرفين.ب7 “…” “النساء”= طبيعة‏ و‏ مجتمع‏* لعل المرأة وقد جمعت النقيضين تكون صورة الجدلية بينهما.‏- عروضياً:‏ - ب1 من ث2 –يعيد –من حيث خصائص الوزن –النسق العروضي الخاص بـ ب1 من ث1.‏ مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن‏ -عجز ب2 من ث2 يكرر النسق العروضي الخاص بـ ب 2 من ث 1.‏ // مفاعلتن مفاعلتن فعولن صدر ب3 من ث2 يردد النسق العروضي الخاص بـ ب 3 من ث2.‏ مفاعيلن مفاعيلن فعولن //‏ - صدر ب7 يكرر التفعلية الخاصة بصدر ب1 من ث2 الذي يكرر بدوره تفعيلة ب1 من ث1.‏- صوتياً:‏ - ث 2 يضج بأصداء ترجع أصوات ث2 وتمتد إلى ب7:‏ “نضت” “قضت”‏ “لصب” “الصبح “سبحان”‏ “ورد” “الرداء”‏ “قابلت” “أسبلت”‏ “أرق” “الرقيب”‏ “عنها” + “وجهها” + “الهواء” + “الهواء” “همت” + “منها” “الإله” + “يراها” “الحياء” + “راحة” “الصبح” “سبحان” + “أحسن” “الرماء” “فلما ان” “ما” (يكون).‏- بلاغياً:‏ - ث يعيد ث1 من حيث توزيع الصور الخيالية:‏ ث1:‏ ب1= حقيقة‏ ب2 + ب3= مجاز‏ ث2:‏ ب1= حقيقة‏ ب2 + ب3= مجاز‏ ب7= حقيقة‏ - تعمل “الصور الخيالية” في ث1 وث2 على إقرار نسبة واحدة بين المرأة من ناحية والطبيعة من ناحية أخرى:‏ ث1 “أرق من الهواء –”كالماء”.‏ ث2: “الظلام على الضياء” –”الصبح تحت ليل” –”الماء فوق ماء”.‏ ص7: حدثياً:‏ يضطلع المجتمع بنفس الدور: في ث1:‏ يعترض المجتمع في صورة “الحياء” على حركة المرأة في ث2: يعترض المجتمع في شخص “الرقيب” على حركة المرأة.‏ فسائر مظاهر الترديد هذه تجعل أقسام القصيدة ولا سيما ث1 وث2 تعيد نفسها في دائرة مقفلة فيصبح نظام القصيدة مغلقاً.‏ولكننا نجد في الوقت نفسه مظاهر أخرى تفيد التنويع أو التغيير لا التكرار والتطور لا الإعادة.‏2- التغيير:‏ - نحوياً:‏ - في ث1 الجمل الأساسية وكلها فعلية –مؤلفة حسب مبدأ التوازي بينها كما يدل على ذلك واو العطف، “قضت”.. “وقابلت”… “ومدت…” ويبلغ هذا التوازي أقصاه في الجملتين الثانية والثالثة وكلتاهما تستغرق بيتاً كاملاً: ب2 ب3 ويتجسم في التطابق شبه التام بين أقسام النحو.‏ ب2 فعل مفعول به + حال //‏ جار ومجرور + صفة + جار ومجرور ب3 فعل + مفعول به + صفة //‏ جار ومجرور + صفة + جار ومجرور‏* من حيث التركيب تعيد الأبيات بعضها جزئياً أو كلياً وهذا ما يدعم وحدة الثلاثي الأول.‏ - في ث2 الجمل وكلها فعلية مؤلفة حسب مبدأ الانعكاس:‏ التركيب الأساسي ظرفي تلازمي وهو يستوفي النصف الأول من الثلاثي: الطرف الأول جملتان معطوفتان بالواو تمتدان على طول ب1 والطرف الثاني جملة واحدة تستوعب الشطر الأول من ب2:‏ فلما أن قضت… وهمت رأت والتركيب الفرعي استنتاجي يستوفي النصف الثاني من الثلاثي: السبب جملة واحدة تستوعب الشطر الثاني من ب 2 والنتيجة جملتان معطوفتان بالواو وتمتدان على طول 3:‏ فأسبلت فغاب.. وظل.‏ * من حيث التركيب النصف الثاني من الثلاثي يعيد النصف الأول معكوساً وهذا ما يؤكد وحدة الثلاثي الثاني.‏ - ب 7 يختلف نحوياً عن ث1 وث2 من حيث أنه جملة اسمية في مقابل سلسلة من الجمل الفعلية.‏- صرفياً:‏ في ث1 الكلمات المقفاة المعرفة مبدوءة بحروف قمرية: “الحياء” و”الهواء” وفي ث2 الكلمات المقفاة المعرفة مبدوءة بحروف شمسية “الرداء” و”الضياء”.‏ * التضاد بين القمريات والشمسيات “يحيل –من جهة التسمية المجازية –على اختلاف الظلام والضياء ومن جهة الدلالة الاصطلاحية –على تباين الظهور والاختفاء ظهور لام التعريف واختفائها. وهي صورة صرفية محض من جدلية الانكشاف والاحتجاب.‏ وفي ب7 تختلف الكلمة المقفاة “النساء” عن مثيلاتها في ث1 وث2 من حيث الجنس:‏ مؤنث # مذكر، والعدد:‏ جمع # مفرد.‏- معجمياً:‏ في ث2 وردت الكلمات المقفاة –باعتبار أقسام دلالتها –على عكس ترتيبها في ب1‏ ث1 [… “الحياء”= قيمة أخلاقية‏ … “الهواء”= عنصر كوني‏ … “إناء”= شيء مصنوع‏ … “الرداء”= شيء مصنوع‏ ث2 [… “الضياء”= عنصر كوني‏ … “ماء” قيمة أخلاقية‏ (الحياء)‏ تحد الأخلاق نظام القوافي –معجمياً –من طرفيه البداية والنهاية كأنما تصوغ للمعاني سياجاً من “الحياء”.‏ في ب7 تختلف الكلمة المقفاة “النساء” عن سابقاتها في ث1 ث2 من حيث الطبيعة:‏ عاقل # غير عاقل.‏- صوتياً:‏ - الحركة السابقة لحذو الردف تتغير فيما بين ث1 وث2.‏ ث1: فتحة في المعرفتين # ث2 كسرة في المعرفتين ث1:‏ كسرة في النكرة # ث2 فتحة مع النكرة.‏- عروضياً:‏ - في ث1 لا يختلف النسق العروضي في العجز عنه في الصدر إلا في ب1 وفي ث2 يختلف النسق العروضي في العجز عنه في الصدر داخل كل بيت.‏ - ث1 تتسق التفعيلة بين الشطرين في:‏ ب2:‏ مفاعلتن مفاعلتن فعولن //‏ مفاعلتن مفاعلتن فعولن‏ ث3:‏ مفاعيلن مفاعيلن فعولن //‏ مفاعيلن مفاعيلن فعولن‏* بين البيتين تواز من جهة انتظام الوزن يذكر بما لاحظناه بينهما سابقاً من التوازي النحوي.‏ في ث2:‏ يتفق النسق العروضي بين صدر بـ2: مفاعلين مفاعلتن فعولن // وعجز بـ 3:‏ // مفاعيلن مفاعلتن فعولن وتتسق التفعيلة في‏ عجز ب2:‏ // مفاعيلن مفاعلتن فعولن وصدر بـ 3: مفاعيلن مفاعلتن فعولن //‏* بين البيتين انعكاس –يجعل صدر هذا متشابهاً لعجز ذاك تارة في نوع التفعيلة وتارة في انتظامها ويردنا هذا إلى ما سجلناه قبل من انعكاس الأبنية النحوية في ث2.‏- بلاغياً:‏ - يتطور نوع الصور الخيالية من المقارنة بالتفضيل: “أرق” أو التشبيه:‏ “كالماء” في ث2 إلى المطابقة بواسطة الاستعارة:‏ “الظلام” –”الضياء”، “الصبح” –”الليل” –”الماء” في ث2.‏ - تتحول ألوان المرأة من ثنائية الحمرة والبياض الشفاف في ث1: “ورد” # “الهواء” و”الماء” إلى ثنائية البياض الشفاف والسواد الحالك في ث2 “الظلام” # “الضياء” –”الليل” # “الصبح” و”الماء”.‏- حدثيَّاً:‏ - فيما بين ث1 وث2‏ - تنعكس حركة المرأة: كانت تتجه من إلى التعري فأصبحت تتجه من العري إلى الارتداء.‏ - وينقلب موقف المجتمع من الاعتراض على المرأة إذ تعرت: “الحياء” إلى الاعتراض عليها إذ همت بأخذ الرداء: “الرقيب”.‏ - في ب7 تنقطع حركة المرأة –أفقياً –بين الطبيعة والمجتمع فتعوضها حركة الشاعر –عمودياً –بين الأرض والسماء:‏ “الإله”.‏ + كل أنواع الاختلاف هذه تحدث في شكل القصيدة حركة تغيير تعاكس ظاهرة التكرار وتنزع بنظام القصيدة نحو الانفتاح وهكذا تتردد القصيدة شكلياً بين حركتين دائرية وتطورية وبين نظامين منغلق ومنفتح.‏2- التركيب الثنائي:‏ - هذه القصيدة حكاية صغيرة وتكشف من حيث حكاية عن تركيب ثنائي يجمع بين الثلاثين ويفرق بينهما وبين البيت 7:‏ ث1 وث2: سرد حوادث فهما من الشعر القصصي والشاعر فيهما راو متحجب يصف ما رأى.‏ ب7: تعبير عن ذات فينتمي لذلك إلى الشعر الغنائي والشاعر فيه متكلم ظاهر يترجم عما يحس.‏ - ويؤكد هذه الثنائية الحكائية عدد من الخصائص الشكلية مر ذكرها في التحليل وهي:‏- صرفياً:‏ ث1 وث2: الكلمات المقفاة كلها مذكر مفرد.‏ ب7: الكلمة المقفاة مؤنث جمع.‏- معجمياً:‏ ث1 وث2: الكلمات المقفاة تدل كلها على الأشياء.‏ ب7: الكلمة المقفاة تدل على الإنسان.‏- نحوياً:‏ ث 1 وث2: سلسلة من الجمل الفعلية في الماضي وهو زمن الأحداث.‏ ب7: جملة واحدة اسمية في الحاضر وهو زمن الحديث.‏- حدثياً:‏ ث1 وث2: محوره المرأة تترد بين العري والتستر.‏ ب7: محوره الشاعر بين جمال المخلوق وقدرة الخالق.‏*هكذا فالثلاثيان خبر مكتمل منته منفصل على أحداث ماضية بينهما البيت 7 خطاب لا ينغلق على حدث ماض لأنه هو الحدث وحدث دائم الحضور لا ينتهي. فمن خلال الشكل القصصي أيضاً تبدو تلك الازدواجية المحورية: حركة منقطعة وحركة مستمرة، نظام منغلق ونظام منفتح.‏ب- الأبنية الدلالية:‏ جماع القصيدة سبع حركات مترابطة حسب منطق معين.‏1) منطق التركيب الدلالي:‏ تتوزع الحركات الست الأولى على السواء ثلاثاً ثلاثاً بين ث1 وث2 هيكلاً خبرياً بينها تستقل الحركة الأخيرة بالبيت 7 وتشكل هيكلاً خطابياً.‏1- الهيكل الخبري:‏ بين الحركات الثلاث في كل من ث1 وث2 علاقة جدلية تنطلق من تناقض جوهري بين العري والتستر والإباحة والحياء والطبيعة والمجتمع وتفضي في كل مرة إلى تجاوزها:‏ث1:‏ حركة الابتداء: تتعرى المرأة.‏ الحركة المضادة: يعترض المجتمع على التعري.‏ حركة التجاوز: رغم الاعتراض تمضي المرأة في العري على حال ما.‏ث2:‏ حركة الانتهاء: تعمد المرأة إلى التستر.‏ الحركة المضادة: يعترض المجتمع على التستر.‏ حركة التجاوز: رغم الاعتراض تتستر المرأة على نحوها.‏* في آخر ث1 ينقطع تسلسل الحركات بسكوت النص عن حقيقة “الاغتسال” وفي أول ث2 ينعكس اتجاه الحركة، كان من التستر إلى العرض فصار من العري إلى التستر: “ذهاب وإياب” بين عالمين: مجتمع وطبيعة.‏2-الهيكل الخطابي:‏ب7: تجاوز التجاوز: يؤول التناقض إلى الانسجام بالتئام سائر الأطراف المتنافرة في حدة عليا: لا نهاية حسن المرأة من حيث هو معنى من معاني الخلق الإلهي.‏2- الأبعاد الدلالية:‏1- حركة الابتداء:‏ تدشن القصيدة وتتشكل –حالاً –على هيئة تقابل أساسي.‏- أطرافه:‏ فعلان: “نضت” # “صب”.‏ يحقق الأول انفصالاً ويهيئ الثاني اتصالاً تلوح بوادره في الأفق. على أن لمعنى “صب” من العمومية ما معه حقيقة “العملية” غامضة: أهي تطهر أم ابتراد؟ أم لعب؟ أم تلذذ؟ أم كل ذلك جميعاً؟ وإن دل “نضت” على التجرد فإن الـ “صب” يوحي بالارتداء بحيث لا يكون العري إلا مرحلة انتقال سريع من زي إلى زي ولحظة عبور بين عالمين.‏ - وحرفان “عن” # “لـ”.‏هذا بُعد يعمق مدى الفراق وذاك نية تجذر معنى اللقاء في عاطفة الرغبة أو غريزة الشهوة أو روحانية الشوق أو في كل ذلك معاً.‏ - واسمان: “القميص” # “هاء”.‏ أحدهما شيء مصنوع يحيلنا على مفهوم الحضارة وضوابطها داخل المجتمع والآخر عنصر كوني يردنا إلى معنى الفطرة وطلاقتها في كنف الطبيعة. على أن الطبيعة هنا منقوصة لأن في تنكير الـ “ماء” تبغيضاً لعنصره فهو مبتور، الجزء لا الكل. بذلك يتأكد التحول من عالم إلى آخر ومن ثوب إلى ثوب إذ عما قليل يصير “الماء” “قميصاً” من تنسج الطبيعة تستعيض به المرأة عن القميص الحقيقي من صنع المجتمع وينبئ بهذا التحول من الآن تشابه الحروف عبر الكلمات:‏ “القميص” = “لصب ماء”.‏- موضعه:‏ لا يذكر النص للحدث إطاراً ولكن “الهواء” (أو “النسيم” في بعض الروايات) يوحي بأنه مكان طلق ولعله بستان في دار أو قصر أي طبيعة في مجتمع.‏- محوره:‏ “هي”: امرأة بلا تعريف. تكتم الهوية إذ يتعرى الجسد وفي هذا التناقض بين الاسم (مجتمع) والجسم (طبيعة) صورة أخرى من جدلية الانكشاف والاحتجاب والطبيعة والمجتمع.‏* تنعتق المرأة من قيد المجتمع فتعود إلى طلاقة الفطرة عارية كحواء حتى تجدد –عبر الماء –صلتها بالطبيعة وبذلك تكتسب حركتها دلالة رمزية تتعدى حدود الواقع إلى أبعاد الأسطورة.‏3- الحركة المضادة:‏ على الفور: “ف” يحدث رد الفعل –فتنقلب الوظائف: يصبح الفاعل:‏ “هي” “مفعولاً”: “وجهها” ويصير المفعول:‏ “القميص” أي المجتمع من حيث هو شعار مادي على ظاهر الجسد فاعلاً: “الحياء” أي المجتمع من حيث هو قيمة أخلاقية في باطن النفس.‏ - ويتغير من النقيض إلى النقيض:‏ معنى الفعل: من الكشف “نضت” إلى الكساء “ورد”.‏ وحقيقته: من الكشف الحسي إلى الكساء المعنوي.‏ ومعموله: من الجسد باعتباره قبحاً يفرض المجتمع ستره إلى الوجه باعتباره زينة يجيز المجتمع سفوره.‏ - وينعكس الوزن العروضي بضرب من “الإبدال” –بالمعنى اللغوي –بين مفاعيلن ومفاعلتن.‏ما أن خلعت المرأة عن جسدها شعار المجتمع حتى ثار في أعماق وعيها –أولاً وعيها –المجتمع يحتج ويعترض وبادر إلى وجهها يغشيه بحمرة الخجل. وهو عمل تعويضي حاول به أن يتلافى ما فات من طرح الثوب المادي بكساء روحي ومن إباحة العري بحياء التستر هكذا من داخل الضمير يدين المجتمع الجسد إذ انكشف كأن المرأة قد اقترفت إثماً وليس في العري –إذا كان القصد الاغتسال –ما يحتشم منه لأنه فعل شرعي وإنما تورد وجه المرأة لإسرافها –”فرط –في الأخلاق مبالغة في الامتثال لأحكام المجتمع. ولكن الحمرة لا تعلو محياها إلا نمت فيها عن شبهة لأن الجسد –لا محالة–عورة والعورة جنس فتشوب براءة الاغتسال ريبة الجنس وتعكر أخلاط الشهوة خلوص النية. فيظل المعنى متأرجحاً بين الصفاء والكدر: صفاء الضمير وكدر الجسد وتزدوج المرأة من جراء ما تعاني من حدة النزاع داخل ذاتها بين دواعي الروح ودوافع الغريزة ونواهي الأخلاق ومقتضيات الجوارح وإذا هي بين لا عارية ولا مكتسية تماماً بل مكشوفة مستترة وليست طبيعة صرفاً ولا مجتمعاً محضاً وإنما هي مزيج منهما وتعود إلى الظهور من جديد جدلية الانكشاف والاحتجاب والطبيعة والمجتمع في صورة من أبلغ صورها لأن المجتمع إذ رد الفعل قد استعار كساءه..من الطبيعة فبلون الورد غطى وجه العارية فأينع كأنه زهرة من نور البستان.‏4- حركة التجاوز:‏ -تتخطى المرأة الاعتراض وهي على تلك الحال من الازدواج قد خلت للمجتمع رأسها وأطلقت للطبيعة جسدها “وقد تعرت” فزال حجاب الثوب وتهيأ اللقاء. عرضت جسدها “قابلت” لـ “الهواء” وهو بديل من الماء وسبيل إليه التقفية بين الاسمين تدل على ذلك والتوازي النحوي والعروضي بين البيتين. كما أن الطباق بين المؤنث: “هي” المرأة والمذكر “هو” الهواء يحول الاتصال إلى شبه وصال بين عاشق ومعشوق. وهل “هاء” المرأة –مكرراً -: “عنها” “وجهها” إلا كـ “هاء” “الهواء” مردداً؟ جناس يوثق العناق بين الاثنين.‏- ولكن الجسد ما كاد ينكشف حتى حذف –أسلوبياً –بحذف الموصوف خلف الصفة: “معتدل” فلا نرى منه إلا صورة مجردة، شكلاً هندسياً محضاً من استقامة الخط وتناسب الأجزاء. فقد خفف الجسد من كثافة المادة ونقى من كل حسية تثير فصار جمالاً صافياً لا جوهر له وما لبث أن انحل في الجو لطافة متناهية: “أرق” فشاع بياضاً شفافاً في الضياء وغاب هواء يكسوه الهواء.‏وبعد أن “غاص” برهة في لجة الأثير “يستحم” يعود إلى الظهور “راحة” تدنو من المشتهى:‏“مدت” وما هي إلا أن تميهت الكف وترفرفت جدولاً يسيل عبره الجسد: “منها” ماء يسعى إلى ماء. كاف التشبيه تقلب التداني –في المكان –بين اليد والماء إلى تناسب في العنصر، تحول خيالي يوافق تنقل “الميم” من “هدت” إلى “الماء” فإلى “منها”. فما ينتجه التشبيه من تمازج الصورتين يدعمه الجناس بائتلاف الحروف. يذوب الجسد ماء في الماء كما انحل هواء في الهواء اتحاداً بالطبيعة وفناء فيها وفي كلتا الحالتين يحتجب جسد المرأة عن النظر تحت أردية… المجاز فالتناثر للجسم العاري هو الأسلوب والأسلوب هو الشاعر والشاعر حياء والحياء مجتمع منظر طريف من جدلية الاحتجاب والسفور والمجتمع والطبيعة. على أنها – مرة أخرى –طبيعة مبتورة لأن العنصر مبعض قد قطعته يد الحضارة عن مصدر قوته وحيويته وهذبته بعد “توحش” فدجنته: “معد” وحبسته في وعاء من صنعها: “إناء” فالماء في الإناء كالهواء في البستان والبستان في الدار والتعري في الحياء “والمغتسلة” في أسلوب الشاعر.‏كل محوي في نفس الوعاء وكل طبيعة في مجتمع وليس أدل على “أسر” هذا لتلك من “سلسلة” الحروف التي تشد “مائن” إلى “إناء” عبر “معدن” ومن ورود اسم الطبيعة –في مواقع القافية –أبدأ بين اسمين من أسماء المجتمع.‏- ويسكت النص كشهرزاد عن الكلام فلا يبوح بسر “العملية” وإنما يوحي بأن “صب الماء” كان كالوصال تسري فيه رعشة رقيقة من الغزل.‏5- حركة الانتهاء:‏يستأنف القصص بعد انقطاع فيبدأ “الإياب” ويمثل النغمة التي بدأ بها “الذهاب”:‏“قضت” = “نضت” ومثل الوزن العروضي وهو ترجيع يؤكد الرجوع. لقد حققت المرأة شهوتها من الماء سراً تسترها… بلاغة الإيجاز” “قضت” تعبير يلخص كل شيء ولا يصرح بشيء فحسب النص أن لا يوحي بما يحف بالوطر من معاني الغريزة… وأن يسمع وسوسة الماء في “الماءان”. من جديد يحرص الشاعر –المجتمع بأسلوبه الإيحائي على حجب الجسد العاري في لحظة النشوة نشوة العناق مع الماء. وتسرع المرأة يحثها الحياء بمفارقة أحضان الطبيعة إلى قبضة المجتمع فعمدت إلى الثوب تحجب به جسدها المكشوف حتى ينكشف عن وجهها حجاب الخجل. وإذ تبدل لباساً بلباس تتهاتف خلال اللغة الأجراس من “ورد” إلى “الرداء”، ترديد يعبر عن الارتداء. هكذا تظل الأصوات تنسج عبر المسافات علاقات متينة بين العلامات توثق النظام وتعمق أبعاد الدلالة.‏6- الحركة المضادة:‏- بغتة يعترض المجتمع على حركة الانتهاء مثلما اعترض على حركة الابتداء ولكن:‏

- انقلب موقفه من حياء يحتج على الإباحة إلى إباحة تحول دون الحياء.‏ - واختلفت طبيعته من رقيب مجازي إلى رقيب حقيقي.‏

- وتحول موقفه: كان يرقب من الداخل فصار من الخارج ينظر.‏وبانقلاب حركة الدلالة تنعكس تراكيب النحو وانساق العروض كما ينعكس ترتيب القوافي من حيث أقسامها الدلالية.‏* وهو رقيب بالنعت والحال إذ حولت الصفة موصوفها إلى مجرد “عينين” كأنما ذاته البصر، “عينين” تدنوان لتتفرجا عن كثب. وهكذا في الوقت الذي تترك فيه المرأة الإباحة لتعود إلى الأخلاق يدع المجتمع الأخلاق ليصبح إباحة فتستمر الجدلية وإن انقلبت الأدوار. تفاجئ المغتسلة المجتمع متلبساً بجريمة اختلاس للنظر إلى جسدها المكشوف فتتلاقى العيون كما تتقابل المرايا تنعكس عليها الصور بلا نهاية: يرى الرقيب المرأة عارية فتراه المرأة يراها عارية فيراها تراه يراها عارية. لعب بمرايا العيون لا حد له ولحظة فذة من التبادل الجدلي بين العالمين.‏ولا يتم هذا التبادل بين المرأة والرقيب بالنظر فحسب بل وباللفظ أيضاً لأن الأنظار لا تتقاطع إلا تهامست الحروف بين “أرق” “والرقيب” حوار طريف بين الجسم المعتدل والعينين الشرهتين. ويجري كل ذلك بمشهد رقيب آخر: الشاعر وهو خفي كالأول ولكنه حيي لا إباحي لا فاضح يحوك للجسم المكشوف من أفانين البيان غلالة رقيقة تحجبه. وتتحول الجدلية فتصبح بين الرقيبين من هذا يبيح النظر وذاك يمنع، “سياجاً” للعفاف. يقوم مجتمع أن تخلي مجتمع. وللقارئ الخيار بين أن يطمح كالأول أو أن يقنع كالثاني فتنتقل الجدلية إليه لا محالة. وبعد فالأمر يعنيه هو أيضاً.‏7- حركة التجاوز:‏- ومن أخرى تتخطى المرأة الاعتراض فتستعيض عن حركتها الأولى وقد تعطلت بأخرى بديلة. تتخذ تلقائياً من العري ثوباً تستتر به فتنتقل إلى وضع المجتمع ولم تبرح حال الطبيعة بل لا تعود إلى المجتمع إلا بقدر ما تندمج في الطبيعة. أرسلت شعرها الفاحم تحتجب وراءه فتحولت إلى “ظلام” بعد “ضياء” كما تحولت من قبل إلى مثل “الماء” وأرق من “الهواء” إلا أن التغيير صار أكمل بتطور المجاز من تشبيه يقرب صورة من صورة إلى استعارة تدمج هذه في تلك كلياً. وكانت بياضاً بد حمرة فأصبحت سواداً بعد بياض.‏هكذا تنتقل عبر الألوان في عبورها –جيئة وذهاباً بين –العالمين وكلها “ألوان طبيعية”، من حمرة الورد إلى صفاء الهواء ونصاعة الماء ومن بياض النهار إلى سواد الليل وكانت شفافية تخترقها العين فلا ترى شيئاً فصارت كثافة يصطدم بها النظر ولا ينفذ فيها. غاب من المرأة شخصها وانتفى عنها الفعل فإنما هي بعد الحضور ذكرى رقيقة يرددها الضمير:‏“منها” ولم يعد من فاعل إلا “صبح” و”ليل” و”ماء”. فهي صورة من الكون أو منظر من الطبيعة بل هي الكون والطبيعة. بحركتها تتفاعل العناصر: تعتم بعد إشراق فتختلف الأضواء أو تنسكب رقرقة تحت رقرقة فتتراكب المياه كأنها تمثال “منحوت” من السيلان تعاقب فيه الظلال والأنوار وسيلان ينبع من عيون شتى عين ماء الطبيعة وعين الجسد الماء وبينهما عين ماء الوجه يقطر حياء. امرأة في شكل الماء والماء في شكل المرأة.‏تلك صورتها النهائية صورتها الأبدية.‏فقد أبى الشاعر أن يقفل المشهد وجمال المرأة موشَّح بكثافة الليل وسواده فأعاد إلى الجسم العاري شفافية الماء ونصاعة الضياء و”أصبح” “الظلام” فإذا هو.. قد انحل –لفظاً ومعنى –في “ظل الماء”.‏* فكما أفلتت المرأة من حيز الواقع إلى أبعاد الخراف حدود البستان “يقطر” إلى لا مكان وتخلصت من قيد الزمان إلى مطلق الدوام، من ماضي “ظل” المنقطع إلى حاضر “يقطع” المستمر، وهي في كل ذلك حاضرة غائبة وعارية مرتدية وفطرة وحضارة وإباحة وحياء وطبيعة ومجتمع جدلية إلى الأبد.‏8- حركة التتويج:‏يتجاوز التجاوز بقفزة إلى الطلق تخلصاً من التناقض إلى الانسجام، من ثنائية العري واللباس والإباحة والأخلاق إلى وحدة الحسن الأمثل ومن ازدواجية الإنسان والكون والطبيعة والمجتمع إلى وحدانية الإله. هكذا ترتقي حساسية الشاعر عبر الجمال اللانهائي من الأرض إلى السماء ومن المرأة إلى خالقها “وقد تعرت” كما “قد يراها” فإذا هي “كأحسن ما يكون…” بل كأحسن ماء يكون معراج توقعه جوقة الكلمات من “صب” إلى “الصبح” فإلى “سبحان وإلى أحسن” فتأتلف نغمة الماء بنغمة الجسد المشرق ونغمة الدعاء ونغمة الجمال الأكمل نشيداً واحداً لا ينقطع ما دام الشعر وما دام الأدب.‏ الخاتمة:‏

كما خضعت القصيدة شكلياً لنظامين منغلق ومنفتح كذلك تخضع دلالياً لنظامين منقفل ومنفرج: انقفال الاكتساء وانفراج التعري ومن خلال هذه الجدلية جدلية الانغلاق والانفتاح والانكشاف والاحتجاب تلعب القصيدة بافتتان مبنى ومعنى. فسبحان الشاعر وقد براها كأحسن ما يكون من الأشعار.‏هذه إحدى محاولاتنا التي نسعى فيها إلى تجديد القراءة لنصوص التراث وهي في الأصل تجربة “مخبرية” أجريناها لطلبتنا تدريباً لهم على “المناهج الحديثة في دراسة الأدب” وكان في منطلق هذه التجربة جاكبسن بانشائيته من ناحية وبتحليله الشهير –مع ليفي شتروس –لقصيدة “القطط” لبودلير من ناحية أخرى فألهمنا هذا العالم الألسني ما استطاع ثم انقطع عنا وبقي نص أبي نواس بنوعيته الفريدة وبقينا معه في حوار هذه نتائجه.‏

———————-

[1]- من الآن سيرمز على سبيل الاختصار إلى الثلاثي بحرف ث وإلى البيت بحرف ب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحماسة في شعر المتنبي


مقدمة

يظل مصطلح “حماسة” رغم كثرة تداوله غائما مفتقراً للدقة والتحديد ضمن المنظومة المصطلحية النقدية العربية قديماًً وحديثاً. فالحماسة عند البعض معانٍ يمكن أن تندرج في مختلف الأغراض فتتلوّن في كل غرض بالتقاليد الموجهة للتلقي في كل عصر؛ وهي عند آخرين طابع يسم بعض النصوص بمياسم خاصة، وترتبط (الحماسة) عند فريق آخر في حدّها وتعريفها بوظيفتها في الشعر وعلاقتها بأفق انتظار المتلقي، فمتى قام الشعر على مبدأ التحميس اعتُبِر شعراً حماسيا سواء تجلى ذلك في المعاني أو في خصائصه الفنية كالإيقاع والصور..

وذهب فريق آخر من النقاد إلى أن الحماسة غرض مستقل من أغراض الشعر، مثلها في ذلك مثل المدح والرثاء والفخر…الخ. وقد اعتمدوا في ذلك، بشكل خاص، على طريقة التصنيف التي اختارها أبو تمام لكتابه “ديوان الحماسة”، الذي جمع فيه مختارات شعرية لشعراء جاهليين ومخضرمين في مختلف الأغراض. وقد قسّم أبو تمام “ديوان الحماسة” إلى أبواب رتّبها بحسب المعاني الشعرية على النحو التالي:

1. باب الحماسة

2. باب المراثي

3. باب الأدب

4. باب الهجاء

5. باب الأضياف

6. باب المدح

7. باب الصفات

8. باب السَّير والنعاس

9. باب المُلح

10. باب مذمة النساء

ولأن الباب الأول في هذه المختارات هو باب الحماسة، فقد سمي الكتاب بديوان الحماسة من باب تسمية الكل (الكتاب) بالجزء (باب). واستناداً إلى هذا التقسيم اعتبر بعض النقاد أن أبا تمام اعتبر الحماسة غرضاً مستقلاً، وكان ذلك السند النظري الأبرز الذي اعتبروا على أساسه الحماسة غرضاً مستقلاً. لكن نظرة في عناوين أبواب ديوان الحماسة، تظهر أن هذه العناوين لا تعبّر عن أغراض الشعر ـ كما نفهم اليوم الغرض الشعري ـ وإنما هي معان شعرية بالمعنى الواسع للفظة “معنى”، ذلك أنه من الصعب أن نعتبر “السير والنعاس” أو “مذمة النساء” غرضاً من أغراض الشعر كما نستعمله اليوم باعتباره مصطلحا نقديا محددا.

ومن جهة ثانية فإن الحماسة في ديوان أبي الطيب المتنبي لا تستقل بقصائد خاصة وإنما هي مبثوثة في مختلف الأغراض وإن تفاوتت نسب حضورها من غرض إلى آخر، الأمر الذي يجعل مفهوم الحماسة مفهوما يخترق الأغراض ويتجاوزها ولا ينضبط لمقولة الغرض وشروطه.

بهذا المعنى فالحماسة ليست غرضاً وإنما هي أقرب إلى أن تكون طابعا يسم بعض النصوص بمياسم خاصة، وسمات يمكن أن تحضر في الشعر لتجعل منه شعراً حماسيا بغض النظر عن الغرض الذي يندرج ضمنه هذا الشعر.

الحماسة عند المتنبي:

عرف الشعر العربي الحماسة منذ الجاهلية، واقترنت في الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام بالفخر القبلي خاصة، وقد تحددت هذه الحماسة ضمن جملة من المعاني أهمها: الشجاعة والبطولة الحربية، ووصف الجيوش والسلاح، وتصوير المعارك ومشاهد القتال.

هذه المعاني الحماسية مثلت أحد المصادر المهمة التي اعتمدها شعراء الحماسة في العصور اللاحقة منذ أبي تمام وصولا إلى المتنبي وابن هانئ.

فكيف تعامل أبو الطيب مع هذا التراث الحماسي، وهل اكتفى بترديده أم تجاوزه وأضاف إليه؟

قلنا إن شعر الحماسة عند أبي الطيب يتخلل مختلف الأغراض وخاصة منها المدح والرثاء والفخر؛ بمعنى أن الغرض يظل القوة الموجِّهة للقول وإن قامت بعض المدحيات مثلاً على الحماسة في مجملها. لكن هذه الملاحظة لا تنفي وجود خصائص مشتركة لشعر الحماسة عند المتنبي وإن اختلفت الأغراض والسياقات الشعرية إنشاء وتقبلاًَ. وربما كانت أبرز هذه الخصائص المشتركة ارتباط شعر الحماسة عند أبي الطيب بمؤثرات ذاتية تتعلق بتضخم الذات والاعتداد المبالغ فيه بالنفس، وبمؤثرات موضوعية ترتبط بعصر المتنبي وخصوصية المرحلة التاريخية التي عاش فيها.

المؤثرات الذاتية:

لا يمكن في الحقيقة أن ننظر في حماسيات المتنبي بمعزل عن ذات أبي الطيب المتضخمة والمتعالية، في إيمانها بالقوة وبالفعل سبيلاً لتحقيق الأهداف. وهو ما انعكس في شعره تغنياً بالقوة والبطولة والشجاعة مُرَدِّداً في ذلك أغلب معاني الحماسة الجاهلية التي يختصرها مفهوم الفتوة، ولكن مع تحويل/ تحوير مهم ينتقل فيه مركز الثقل من الجماعة (القبيلة) إلى الفرد، وهو أمر يبدو جلياً في الفخر كما في بقية الأغراض. فعندما يقول أبو الطيب مفتخراً:

الخيل والليل والبيداء تعرفني……… والسيف والرمح والقرطاس والقلم

إنما يجعل من الضمير المتصل “ني” قطب البيت ومركزه، إليه تنشد معاني البطولة وحوله يدور العالم بأسره. وهو ضمير لا يُعبِّر عن ذاتٍ جمعيّة بقدر ما يعبِّر عن ذات متفرِّدة تجعل من تأكيد تفردّها فعل وجود. ذلك أن تحقيق الذات مرتبط بمدى نجاحها في إعلان تمايزها وبالتالي تميّزها، من ذلك قوله:

رِدِي حياض الردى يا نفس واتَّرِكي ……… حياض خوف الردى للشاء والنَّعَمِ

فكل هذه المقابلات بين: يا نفس ≠ الشاء والنعم

…………………. حياض الردى ≠ حياض خوف الردى

………………….. رِدِي ≠ اتّركي

تؤكد هذه الرغبة في الفرادة/التفرد، وهي معنى مهم من معاني الحماسة عند المتنبي.

هذا الإيمان بالإنسان الفرد يتجلى أيضا في المدح والرثاء. فصورة الممدوح أو المرثي تظل في شعر المتنبي ذاتاً فرديةً بامتياز، ومهما تعلق الأمر بالكثرة والعدد كما هو الشأن في وصف الحرب وتحرك الجيوش وهول المعارك.. فإن هذه الكثرة تُختزَل في شخص الممدوح أو المرثي. فهو الذي يحقق النصر وعليه يتوقف سير المعركة بفضل شجاعته وصبره على المكاره وصواب رأيه وحسن تخطيطه.. يقول المتنبي في مدح سيف الدولة:

يُكلِّف سيف الدولة الجيشَ همّـهُ……… وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم ……..

ويطلبُ عند الناسِ ما عند نفسـه ……..وذلـك مـا لا تدّعيـه الضراغـم

إن العلامة الأولى على تأكيد معنى الفردية في هذين البيتين هي التسمية (سيف الدولة)، ففي التسمية تحديد وتخصيص، وانطلاقاً من هذا التخصيص تنشأ في البيتين جملة من المقابلات التي تؤكد تميّز الممدوح وتُعمِّقُ فرديته وفرادته. إذ نجد مقابلة بين:

همّـه (همته) ≠ الجيوش الخضارم

نفسـه ≠ الناس

وهي مقابلة تقوم على ثنائية ضدية: مفرد/جمع، وتتعمّق من خلال الأفعال المنسوبة إلى الممدوح: “يكلّف، يطلب” في مقابل “عجزت، ما لا تدعيه” لتتحول المقابلة من ثنائية: مفرد/جمع إلى ثنائية: قدرة/عجز. فذات الممدوح تقوم رديفاً للقوة والقدرة والرغبة في الفعل، في حين تنهض الجماعة صورةً للضعف والعجز والتخاذل.

بهذا المعنى تبدو الحماسة عند أبي الطيب معقودة بالذات المفردة ومرتبطة بفلسفة المتنبي ونظرته للعالم في إيمانه بأن التاريخ يصنعه أفراد متميزون وإن عاندهم الحظ أحياناً كما حدث مع أبي الطيب نفسه.

المؤثرات الموضوعية أو الخارجية:

مثلما تلوّنت الحماسة عند المتنبي بقوة حضور الذات في شعره وتحوّلها إلى قوة موجّهة للقول، فإن طبيعة المرحلة التاريخية وخصوصية القرن الرابع للهجرة باعتباره القرن الذي شهد بداية التراجع الحضاري للدولة العربية الإسلامية، قد ساهم في تلوين شعر أبي الطيب الحماسي وصبغه بطابع خاص. فقد استشعر المتنبي الأخطار التي كانت تَحيقُ بأمته والتي كان أكثرها جلاء تهديد الروم للأقاليم الشمالية.

ولعل مواكبة المتنبي لهذا الصراع خلال إقامته عند سيف الدولة هو ما طبع شعره الحماسي بطابع ديني واضح تحوّل فيه صراع سيف الدولة مع الروم إلى صراع بين الكفر والإيمان، يقول المتنبي في مدح سيف الدولة:

ولستَ مليكاً هازماً لنظيره ولكنك التوحيد للشرك هازم

ولئن كان المتنبي في تأكيده على البعد الديني في الصراع يُعتبَرُ امتداداً لما كان بدأه أبو تمام، فإن أبا الطيب قد وسّع هذا المعنى وربطه بالبعد “العروبي”، فكان ذلك من أهم المعاني التي أضافها المتنبي لمعاني الحماسة المعروفة. بل إن هذا المعنى تحوّل في الكثير من مدحيات المتنبي ومرثياته، إلى الإطار الذي أصبح ينتظم بقية المعاني من إبراز للشجاعة وتصوير للحروب ووصف للجيوش…الخ.

بهذا المعنى فإن الدفاع عن الأوطان في وجه العدو الخارجي والدفاع عن العصبية العربية (بمعناها الحضاري الثقافي وليس بمعناها القبلي أو العرقي) في وجه نفوذ بقية القوميات داخل الدولة الإسلامية، مثّل أحد أهم معاني الحماسة في شعر المتنبي.

من السمات المهمة أيضاً لعصر المتنبي، والتي أثرت في شعره الحماسي، يمكن أن نشير إلى التحولات الاجتماعية التي شهدها مجتمع القرن الرابع، والتي جعلت من هذا العصر عصر التناقضات وانقلاب القيم؛ وهو ما يفسِّر من بعض الوجوه علاقة المتنبي المتوترة بواقعه، وانتشار مفاهيم الرفض والتمرد والغربة في شعره، فكان أقرب إلى “البطل الذي يدافع عن قيم أصيلة في مجتمع متدهور” بعبارة لوكاتش.

هذا الرفض للواقع انعكس في شعره الحماسي تغنياً بالقيم الأصيلة، قيم الشجاعة والبطولة الحربية والذبّ عن الحرمات من جهة، وانعكس من جهة أخرى على صورة الممدوح والمرثي في شعره، إذ تحول الممدوح/ المرثي إلى رمز لتلك القيم. ففي قصائد كثيرة يتحول المدح أو الرثاء إلى تغنٍّ بمثال منشود وبقيم يكون الممدوح/المرثي تجسيداً حيًّا لها. وهو ما يخرج بالمدح (أو الرثاء) من كونه مدحاً لشخص ليكون مدحاً لقيم، فيحرر الشعر بذلك من الظرفية وضغط المناسبة ليفتحه على المطلق ويحوّله إلى شعر حماسي يتجاوز الظرفي العارض ليكون تغنياً بقيم خالدة يفعل فعله في المتلقي بمعزل عن سياقات القول.

فصورة سيف الدولة في شعر المتنبي هي الصورة التي أرادها له المتنبي، إنها صورة المنشود الذي حاول المتنبي تحقيقه في الواقع، وحين فشل حاول خلقه في اللغة ومن خلال الشعر.

الوجه الآخر لتحويل المتنبي الممدوح إلى قيمة يتجلى بشكل خاص في الحِكم التي يعج بها شعر أبي الطيب، من ذلك قوله يمدح سيف الدولة في مطلع المدحية:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ……… وتأتي على قدر الكرام المكـارم …….

وتعظم في عين الصغير صغارها ……. وتصغر في عين العظيم العظائم

فهذا التغني بالعزم وبفعل الإنسان في الوجود مرتبط بفعل سيف الدولة، ولكنه يجعل من فعل الممدوح نموذجاً لهذا المعنى العام. وبذلك تكون علاقة الحكمة ـ وهي مطلع القصيدة ـ ببقية النص علاقة إجمال بتفصيل، وكأن فعل الممدوح ما هو إلا تنزيل لهذه القيم في الواقع، إنه نموذج حي لهذه القيم.

وفي أحيان أخرى ترِدُ الحكمة في نهاية النص فتكون في شكل استنتاج وانتقال من الخاص إلى العام، كما في قوله يمدح سيف الدولة ويواسيه بعد هزيمته أمام الروم:

إن السلاح جميعُ الناس تحمِلُهُ ……….وليس كلُّ ذواتِ المخلبِ السَّبُعُ

فالبيت ـ وهو خاتمة القصيدة ـ يقوم على مقارنة خفية بين شجاعة سيف الدولة وجبن أعدائه رغم أنهم المنتصرون، ولكنه النصر الذي يحوّله الشعر إلى هزيمة ما دام الصراع الحقيقي صراعاً بين الشجاعة (التي يمثلها سيف الدولة) وبين الجبن (أعداؤه)، والشجاعة منتصرة أبداً أياً كانت نتيجة المعركة.

يمكن القول من خلال ما تقدم أن من سمات شعر الحماسة عند المتنبي، تحويل المدح والرثاء إلى مدح لقيم يمثل الممدوح تجسيدها الحي، وأن صورة الممدوح تبدو أحياناً كثيرة رسماً لمثال منشود حَلُم به المتنبي وعمِل على تحقيقه في الشعر حين عجز عن تحقيقه في الواقع.

الواقع في حماسيات المتنبي:

إن نظرة سريعة في شعر أبي الطيب الحماسي تؤكد علاقته بوقائع التاريخ، ذلك أن حضور الواقع في النص غالباً ما يكون مولِّداً للحماسة في مدحيات المتنبي خاصة، إذ كثيراً ما كان المدح مرتبطاً بذكر بطولات الممدوح الحربية، أو كان الباعث على المدح انتصار الممدوح في إحدى معاركه، وبذلك يصبح وصف الحرب وذكر الشجاعة معنى أساسياً من معاني المدح.

لكن حضور الواقع/التاريخ في حماسيات المتنبي ليس هو الذي يمنح هذا الشعر بعده الحماسي، بل على العكس من ذلك، كلما حاول الشاعر أسْطَرَةَ التاريخ من خلال تجميله وتحويله إلى سلسلة من الانتصارات بغض النظر عما جرى فعلاً في الواقع، كان النفس الحماسي في ذلك الشعر أبرز. وبذلك يمكن القول إن شعر المتنبي الحماسي ليس وصف حروب بقدر ما هو «حروب وصف»[1] على حد عبارة مبروك المناعي، بمعنى أن ما يفعله المتنبي إبداع حربي حماسي بالوصف وليس مجرد وصف للحرب، وأن رهان الشاعر الأول هو تجميل الواقع وتجميل صورة الممدوح والقدرة على تحويل التاريخ إلى بطولة أو إلى تاريخ بطولة.

وقائع التاريخ بهذا المعنى لا تمثل إلا منطلقاً لشعر الحماسة، أما الذي يجعل هذا الشعر شعراً حماسياً فهو تحديداً مفارقته للواقع ولقوانينه. فحين يصور المتنبي جيش سيف الدولة، يصف الخيل قائلاً:

فكأن أرْجُلَها بِتُربَةِ مَنْبِجٍ …….يطرحن أيديَها بحصن الران

يحوّل الوصف هذه الجياد إلى كائنات أسطورية تتحرر من بُعدَيْ المكان والزمان ومن قوانين الواقع إذ تجمع في عدْوِها بين مكانين (منبج وحصن الران) بينهما على ما يروي شُرّاح شعر المتنبي مَسِيرُ خمسة أيام.

حضور التاريخ في شعر أبي الطيب الحماسي إذن لا يُحوّل هذا الشعر إلى تأريخ، بل إن هذا التاريخ وهو يحضر في الشعر يتخذ وجوداً أدبياً، فلا يكون حضوره غايةً ولا الهدفُ منه التأريخَ والتسجيلَ، بقدر ما يكون حضور التاريخ ذريعة لغاية أبعد هي التأثير في المتلقي من خلال تحويل الوقائع إلى مجال لذكر البطولات والتغني بالانتصارات.

هذا الارتباط بالواقع ومفارقته في آن، يُقرِّب شعر المتنبي الحماسي من الملحمة ويمنحه الكثير من السمات الملحمية.

بين شعر الحماسة والملحمة:

إذا كانت الملحمة في أبسط تعريفاتها هي القصة الشعرية التي تروي ـ في صياغة أدبية وخيال شعري ـ أعمالاً جبارة يقوم بها بطل فذ. فإن شعر أبي الطيب الحماسي لا يختلف كثيراً عن هذا التحديد، إذ أن الكثير من مدحياته في سيف الدولة خاصةً، تقوم على بعد قصصي واضح يجعل من القصيدة ـ كما يقول مبروك المناعي ـ «”شريطاً” عسكرياً مفصلاً عن حجم الجيش العربي ونظام تنقلاته، واختراقه للحواجز الطبيعية من جبال وأودية، وهجوماته السريعة الماحقة على جيش العدو، ومظاهر الإنجاز الحربي من حصار وطِرَادٍ ومواجهة..»[2].

وإذا ربطنا هذا السرد والوصف بوظيفته في النص وهي الإعلاء من شأن الممدوح وإظهار شجاعته وحسن قيادته، أصبحت القصيدة سرداً لبطولات الممدوح في نَفَس حماسي يجعل هذا الشعر أقرب إلى الملحمة ولكن دون أن يماهيها لأن هذا البعد القصصي يظل مندرجاً ضمن الغرض الذي يؤطر القصيدة، وتظل وظيفته معقودة بخدمة الغرض الأساسي في النص، وهي تفخيم صورة الممدوح في المدح مثلاً.

في شعر المتنبي الحماسي إذن بعض ملامح الملحمة، ولكن ذلك لا يحوِّل هذا الشعر إلى ملحمة، إذ يظل شعر الحماسة مرتبطاً في الغالب بحادثة أو واقعة محددة بينما تهتم الملحمة بمسيرة البطل أو القبيلة، وهي مسيرة قد تستغرق سنين عديدة بل أجيالاً متوالية، وهو ما يمنح الملحمة امتدادا على مستوى الحيز النصي لا نجده في القصيدة الحماسية التي تظل مهما طالت قصيرة مقارنة بالملحمة.

الخصائص الفنية لحماسة المتنبي:

1. الإيقـاع:

نميّز في استعمال الإيقاع بينه وبين الوزن (البحر والقافية)، إذ الوزن إحدى تجليات الإيقاع، ولكن إيقاعات الأوزان لا تمثل كل تجليات الإيقاع في الكلام. ذلك أن:

ـ الوزن نظام إيقاعي ثابت مقنن، أما الإيقاع فنزوع إلى الانتظام والتنظيم دون أن يكون نظاماً ثابتاً جامداً.

ـ الوزن نظام مجرد سابق للنص، أما الإيقاع فمرتبط بالكلام ناشئ عن النص ومتكيف به.

ـ الوزن عام ومشترك، أو هو إطاري خارجي، أما الإيقاع ففردي موضعي.

بهذا المعنى فإن الإيقاع ظاهرة حيوية في الكلام ترفض التقنين، وهو ما يعني أن ما يمكن بحثه أو محاصرته من ظاهرة الإيقاع هو آليات تجليها في الكلام. ولعل ما يمكن تأكيده في ما يتعلق بالإيقاع هو ارتباطه الوثيق بمفهوم الترديد أو التكرار ولكن دون أن يماهيه، فالإيقاع تكرار في منطلقه ولكنه نفي للتكرار في مآله، بما هو كسر للرتابة كي لا يسقط في التشبع ويفقد كل قيمة جمالية. ومن جهة أخرى فالإيقاع ليس مجرد تكرار صوتي بل هو تكرار له بالدلالة أكثر من صلة. إنه كما يقول المسعدي «هندسة وبناء» بمعنى أنه يشمل مختلف مظاهر الانتظام والتنظيم في النص، وهو انتظام يكشف عن تنظيم مخصوص للمعنى في النص.

ويمكن أن نتوقف في شعر أبي الطيب الحماسي عند بعض مظاهر الإيقاع منها:

تكرار الأصوات: يقول المتنبي مصوراً بناء سيف الدولة لقلعة الحدث:

بنـاهـا فأعلـى والقنـا تقرع القنـا..ز…… وموج المنـايـا حولهـا متـلاطم

يقوم هذا البيت على إيقاع قوي ومميز، وهو ناتج أساسا عن خصائص الحروف والأصوات المستعلمة وعن كيفية توزيعها على مساحة البيت، إذ نجد:

ـ تكرار حروف القاف والراء والعين، وهي أصوات جهورية تحيل إلى محاكاة صوت المعركة وقعقعة السلاح. فكأنك وأنت تسمع هذا البيت تستمع إلى صوت المعركة وهو ما يشحن البيت بإيقاع مميز يعانق الدلالة لتأكيد النفَس الحماسي في القصيدة.

ـ انتشار المقاطع الطويلة المنفتحة التي تعبّر عن معنى الإعلاء في البناء. فإذا كان البيت يؤكد جمع سيف الدولة في فعله بين البناء والحرب، فإن الحروف تعبّر عن هذا المعنى من خلال خصائصها الصوتية (القوة والشدة) ومن خلال توزيعها وخصائصها الكمية (انتشار المقاطع الطويلة).

الجناس والتكرار اللفظي: يقول المتنبي مفتخراً:

لقد تصبّرتُ حتى لات مصطبر……. فالآن أُقحِـمُ حتى لات مُقتَحَـم

يقوم البيت على ترديد لفظي : تصبرت ـ مصطبر

………………………….أقحم ـ مقتحم

وهو ترديد يُظهر التقابل الدلالي بين صدر البيت وعجزه، أي بين الماضي (لقد تصبّرت) والحاضر الدال على المستقبل (فالآن). فمعنى الصبر الذي عبّر عنه الفعل المزيد (تصبّر) والذي يحمل معنى الكثرة المرتبطة بالمشقة والشدة، هو الذي استدعى تكرار نفس المادة (ص.ب.ر) في (مصطبر) الذي ورد ضمن مفعول يفيد انتهاء الغاية في الزمان (حتى…) فكان ذلك إيذاناً بالتحول الذي عبّر عنه العجز. وكان الانتقال إلى الفعل (أقحم) مرتبطاً بهذا الإصرار الذي لا مجال فيه للتردد ليكون الاقتحام والتقدم على قدر الصبر والتصبّر. إضافة إلى أن التكرار يحوّل إصرار الذات على الفعل إلى غنائية تمجّد القوة وتتغنى بالفعل.

بهذا المعنى ليس ترديد الأصوات أو الألفاظ مجرد لعب لفظي وإنما هو مظهر من مظاهر تنظيم المعنى وإخراجه في النص.

الموازنة التركيبية: يقول المتنبي في مطلع إحدى مدحياته في سيف الدولة:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم

تلعب الموازنة التركيبية بين صدر وعجز كل بيت دوراً أساسياً في تأكيد صيغة الإطلاق في الحكمة، كما ينهض التقديم والتأخير (تأخير الفاعل: العزائم، المكارم) بوظيفة تأكيد المعنى وإظهار دور الإنسان وفعله في تحديد طبيعة النتيجة. فالعزائم (التي احتلت وظيفة الفاعل نحويا) إنما هي ـ دلاليا ـ نتيجة فعل الإنسان ومقدار العزم الذي يبذله في سبيلها. ومن جهة أخرى فإن الموازنة التركيبية تقوي الإيقاع وتساهم في خلق النفس الحماسي في النص.

الترصيع: يقول المتنبي:

ونحن في جَذَل والرومُ في وَجَلٍ والبرُّ في شُغُل والبحر في خَجَل

يقوم البيت على قافية داخلية تمنح الإيقاع فيه طابعاً مميزاً وتحوِّله إلى تغنٍّ بالنصر في نفس حماسي ظاهر. وهو أمر تؤكده ظواهر إيقاعية أخرى في البيت مثل:

ـ التناسب بين الألفاظ وتوزيع التفعيلات، وهو ما يسميه الهادي الطرابلسي بظاهرة الطفو، أي أن تطفو التفعيلة على سطح البيت:

ونحن في / جذل / والروم في / وجل والبر في / شغل / والبحر في / وجل

مُتَفْعِلـن / فَعِلن / مستفعلـن / فَعِلن مستفعلـن / فَعِلن / مستفعلـن / فَعلن

ـ المقابلة بين: نحن ≠ الروم

…………..جذل ≠ وجل

…………..البر ≠ البحر

ـ الجناس في : جذل ـ وجل ـ خجل، وهي إضافة إلى ذلك على نفس البنية الصرفية: فَعَلٌ.

ـ الموازنة التركيبية بين: نحن في جذل

…………………….الروم في وجل

…………………….البر في شغل

…………………….البحر في خجل

يمكن القول إذن أن المتنبي يزرع إيقاعاته الخاصة ضمن إيقاعات الوزن فتعضدها وتقويها، وتُخبِر في الآن نفسه عن حضور المتنبي ذاتاً مبدعةً تروم الفرادة والتميز. كل ذلك في علاقة واضحة بدلالة البيت القائم على مقارنة بين “نحن” و”الروم” في نفس حماسي واضح يتغنى بالنصر ولا يخفي تشفيه في الأعداء.

الإيقاع بهذا المعنى حركة كيانية مرتبطة بالمبدع بقدر ارتباطها بالمتلقي، إذ الإيقاع ليس إلا إيقاعاً في الكلام يُحضر الذات في الخطاب، وإيقاعاً بالمتلقي يخلق بينه وبين النص ألفة تكون مدخلاً للتأثير فيه.

2. الصورة الشعرية:

مثلما يكون الإيقاع علامة على حضور الذات في الخطاب، فإن الصورة أيضاً علامة على حضور الذات في العالم وفعلها في الوجود. فالصورة إعادة تشكيل للعالم وخلق جديد له بالكلمات، من خلال العلاقات الجديدة التي تُوجِدُها الصورة بين الموجودات. الصورة الشعرية إذن ليست مجرد أسلوب محايد يستخدمه مستعمل اللغة للتعبير والوصف، إنها موقف ورؤية. ذلك أن الصورة تشبيها كانت أم استعارة أم كناية أم مجازاً… ليست إلا عدولاً وانزياحاً عن الاستعمال المأنوس للغة، فغاية التشبيه مثلاً هي التقريب بين المتباعدات، ولكن من دون هدم ما بينها من الحدود، ذلك أن التشبيه يحافظ على استقلال طرفيه وتمايزهما مهما قرّب بينهما. وقد اعتبر البلاغيون أن الأصل في التشبيه هو تشبيه المجرد بالمحسوس انسجاماً مع مبدأ إخراج الأغمض إلى الأوضح.

لكن نظرة في شعر المتنبي الحماسي تُظهِر استعمال المتنبي للتشبيه استعمالاً مخصوصاً ينأى به عن وظيفته الأساسية (تقريب الصورة)، ففي قصيدة “تمر بك الأبطال” مثلاً تنبني الصورة على التشبيه، وهي تشبيهات بينها من العلاقات والتشابه ما يشي بأنها اختبار فني مقصود موظف لخدمة غاية أبعد. يقول المتنبي في هذه القصيدة:

وقفتَ وما في الموت شك لواقف…….. كأنك في جفن الردى وهو نائم

تقوم الصورة على تشبيه وقوف سيف الدولة في المعركة بوقوفه في جفن الردى، وهو تشبيه تمثيل (تشبيه صورة بصورة) قام على تشبيه محسوس (وقوف سيف الدولة في المعركة) بمجرد (وقوفه في جفن الردى) الأمر الذي يجعله يخرج عن الضوابط التي حددها البلاغيون للتشبيه، إضافة إلى أن المشبه به قائم على استعارة (الردى له جفن/نائم).

فهذا التشبيه تشبيه مركب ينزع إلى الغموض وليس إلى الوضوح، بمعنى أنه لا ينهض بوظيفة تقريب الصورة، بل إن غايته هي الإيغال في الخيال والمبالغة. فالصورة لا تقوم على تقريب المعنى وإنما تنهض بوظيفة تأثيرية غايتها تأكيد عظمة الممدوح من خلال الغموض والمبالغة. ويمكن قول الأمر نفسه في بقية تشبيهات هذه القصيدة.

إذا كان التشبيه في شعر أبي الطيب الحماسي على هذه الصورة من التركيب، فإن هذا التركيب يكون أظهر في الاستعارة. فنزوع الاستعارة في حماسيات المتنبي إلى المبالغة وقيامها على الغلو والغموض أمر أفاض فيه النقاد قديماً وحديثاً ولسنا في حاجة إلى مزيد تأكيده. غير أن الذي يعنينا من كل ذلك هو تحوّل الاستعارة عند أبي الطيب إلى وسيلة لتشكيل العالم، وكأن المتنبي وقد عجز عن تغيير العالم في الواقع قد انبرى يبدع في شعره عالَمَه الخاص الذي أعاد فيه للغة بكارتها الأولى وهو يؤسس سلطته في الواقع من خلال الكلمات.

خاتمــــة:

لئن ردّد أبو الطيب في شعره الحماسي معظم معاني الحماسة التي تداولها الشعراء قبله، فإنه قد تجاوز مفهوم القبيلة الذي قامت عليه الحماسة الجاهلية ليلوّن حماسياته في أحيان كثيرة ببعد ديني ربط بين الحرب والجهاد، كما عمد إلى إخراج هذه المعاني إخراجاً جديداً من خلال اشتغاله على الإيقاع والصورة الشعرية خاصة. هذا الإخراج الجديد لمعاني الحماسة هو الذي وهب حماسياته الانتشار والخلود وجعل المتنبي من أبرز شعراء الحماسة في الأدب العربي .

المراجع:

[1] مبروك المناعي: المتنبي قلق الشعر ونشيد الدهر، دار اليمامة للنشر والتوزيع، ط 5، تونس 1998، ص 133.

[2] نفس المرجع، ص 132.

خليفة غيلوفي ………..

استاذ مبرز في اللغة والآداب العربية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السرد والحجاج في الحكاية المثلية باب القرد والغيلم ؟ـ

شهيدة العزوزي

تتميز الحكاية المثلية، بكونها نصوصا حجاجية حكمية ترمي إحداث تغيير أو إطراء عبرة في نفس المتلقي رغبة في الاقتداء به والحرص على تغيير المجتمع وتوجيهه إلى ما يتوجب فعله أوتجنبه. وتعد حكاية “القرد والغيلم”، من بين هذه الحكايا المثلية التي صاغها ابن المقفع بطريقة فنية سلسة يرتاح لها القاريء وينساق وراء ما ورد فيها من أحداث ومفاهيم مثل: الصداقة والعداوة؛ إذ حرص منذ البداية على تتبع مسير السرد رغبة في العمل بفكرة أو العدول عنها، وقد سلك المؤلف في ذلك بناء منهجيا موفقا اعتمد فيه السرد والحجاج. فكيف بني السرد في هذا الباب، كيف تشكل الحجاج، ماعلاقة السرد بالحجاج؟ هل يخدم أحدهما الآخر؟ أم إن وظيفتيهما جاءت موازية تتناسب مع المقصدية التي ترومها “كليلة ودمنة” بشكل عام، وحكاية “القرد والغيلم” بشكل خاص، ثم ما طبيعة العلاقة بين السرد والحجاج، هل هي علاقة تداخل أم تنافر؟ بصيغة أخرى، ما وظيفة السرد والحجاج في هذه الحكاية؟ وكيف ساهما في تشكيلها بطريقة تخدم عملية التلق أكثر من أي شيء آخر؟

هذه الأسئلة وغيرها، هي التي سنحاول مناقشتها في ثنايا العرض. ولكن، قبل الشروع في معالجة الموضوع الذي نحن بصدده، ارتأينا أولا أن نشير إلى مفهوم السرد والحجاج؛ حتى يتسنى منح رؤية تصورية تتماشى مع التحليل، ثم نظهر التداخل بينهما أثناء تحليلنا باب “القرد والغيلم”.

مفهوم البنية السردية:

واكب تطور الأجناس الأدبية ظهور عديد من المدارس النقدية والأدبية والفلسفية نتج عنها اختلاف كبير في المناهج؛ هذه المناهج سعت جاهدة إلى استقصاء ،الأجناس، ودراستها دراسة دقيقة غايتها الأهم، فحص النصوص وفهمها، وذلك حسب توجه كل مدرسة. ومع التسرب الفكري والثقافي، نشأت جملة من النظريات منها؛ النظرية السردية التي كانت وجهتها الأساس قراءة النصوص وفهمها من حيث المبنى والمعنى، فقد حرص النقاد والمفكرون مثل: تيزﭬيتان تودوروڤ،جيرار جنيت ورولان بارت وغيرهم، على مسايرة النظرية السردية تلك النصوص، لأجل ذلك، اجتهدوا في تعريف السرد والبنية السردية، وأهم هذه التعريفات تذهب إلى تعريف السرد من منظور الحكي كالآتي:

“يقوم الحكي على دعامتين أساسيتين:

أولاهما: أن يحتوي على قصة ما، تضم أحداثا معينة.

وثانيهما: أن يعين الطريقة التي تحكى بها تلك القصة وتسمى هذه الطريقة سردا، ذلك أن قصة واحدة يمكن أن تحكى بطرق متعددة، ولهذا السبب فإن السرد هو الذي يعتمد عليه في تمييز أنماط الحكي بشكل أساس.

وأن “السرد” هو الكيفية التي تروى بها القصة عن طريق هذه القناة نفسها،وما تخضع له من مؤثرات بعضها متعلق بالراوي والمروي له، والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها”.[1]

ومن خلال قراءتي لمجموع مقالات وكتب حول الموضوع، خلصت إلى أن السرد هو:” مجموعة من العناصر المكونة لجنس أدبي ما من مثل؛ الحدث، الزمان المكان، الشخصية، التشويق وما إلى ذلك” كما أنها” التسلسل الزمني للأحداث والوقائع”. من هنا سوف ننطلق في دراسة باب “القرد والغيلم” مستقصين مدى مطابقة بناء الحكاية وتشكل سردها مع التعريفات السردية السالفة.

يتشكل السرد في باب “القرد والغيلم” من حكاية إطار وحكاية مؤطرة تتفرع عنهما حكايا أخرى متنوعة، فالحكاية الإطار يعلن عنها بن المقفع قبل البدء في سرد الأحداث مباشرة، وتتمثل في حكاية الملك دبشليم والفيلسوف بيدبا حين يطلب الأول من الثاني أن يضرب له مثلا:” اضرب لي مثل الرجل الذي يطلب حاجة، فإذا ظفر بها أضاعها”[2]، ولعل هذه خاصية من خاصيات الحكاية المثلية، فبمجرد شروع الفيلسوف في الحكي، تتفرع الحكاية الإطار إلى:” حكايات كبرى تمثل أبواب الكتاب، وضمن كل باب تتوالى الحكايات الصغرى أو الحكايات الخرافية الفرعية، وخاصة ما غاب عنها الحيوان.”[3]

إن الحكايات المؤطرة التي أنتجها الفيلسوف بيدبا وهو يُفَصل للملك في كل مثل اقترحه.شكلت إشارة مهمة وجيدة في الحكايات كلها، لأنها فتحت أمام الدارسين، خاصة المعاصرين منهم، مجال البحث والتحليل.

مضمون باب القرد والغيلم :

تدور حكاية” القرد والغيلم” حول قرد اسمه”ماهر” كان يحكم قومه فتقدمت به السنون، فقام قرد شاب بانقلاب عسكري عليه، هرب القرد المسن حتى صادف في مسيره شجرة تين اتخذ منها مسكنا ومأوى، وكان الوقت ثمارا فاعتلى القرد المتعب ظهر الشجرة، ثم شرع يتذكر أيامه، ويأكل تينة فيمضغها، فوقعت واحدة من يده فسمع لها رنيناً محببا صادراً من ساقية الماء تحته، فأعاد فأكل ورمى، واستمر هكذا بأكل واحدة ورمي ثانية فيتمتع بالرنين والمذاق الحلو، حتى كان اليوم الذي فوجيء “القرد” المسن بالغيلم يتقدم إليه فيسلم عليه ويشكره لما ألقى من تين إلى النهر. ومع الوقت نمت الصداقة بين “القرد والغيلم”، ولكن الحدث لم يكن خبرا سارا لزوجة الغيلم، فقد ساءها تأخر زوجها في العودة إلى المنزل، فلما سألت عن الخبر قالوا إنه صادق قرداً شيخاً وَهَنَ العظم منه، على ظهر شجرة؛ فهما خليلان يتساران ويروي كل منهما للآخر محن الدهر وتصاريف القدر، فنصحوها أن تتمارض حتى إذا عاد الغيلم ليلا أخبروه أن مرضها أعيا الأطباء، ولا دواء له غير قلب قرد. فكر الغيلم فلم يجد سوى قلب صاحبه الهارب من الانقلاب العسكري، في مملكة القردة، فجاءه في الصباح وقد عزم الغدر به فقال: إنني أريد إكرامك كما أكرمتني، وأريدك أن تتم إحسانك إلي بزيارتك لي في منزلي…”[4]

إذا تأملنا الحكاية جيدا منذ بدايتها ألفينا بناءها منتظماً يراوح بين السرد والحوار، ذلك أن “الحوار من يفسح المجال لعرض الأفكار والحجج أو دحض أفكار الخصم”[5] فحوار الملك “دبشليم” مع الفيلسوف بيدبا، أنتج حكاية شخصتها حيوانات؛ تفرعت عنها حكاية أخرى مضمنة في الحكاية الأولى هي حكاية “الأسد وابن آوى والحمار”.

إن كِبر القرد “ماهر” وهرمه، أفرز انقلاباً عسكريا عليه وطُرد من مملكته؛ أنتجت هذه الواقعة، نقطة تحول في الأحداث؛ إذ هاجر القرد واستقر فوق شجرة “تين” كانت ثمارها سبيلا لتعرفه على الغيلم، وكسب صداقته التي أدت إلى نسج حيلة من قبل الزوجة المتمارضة للتخلص من القرد عندما تأخر زوجها عنها. امتلكت الغيلم حيرة في كيفية حصوله على قلب قرد، فعسر عليه الطلب، فتحايل على صديقه، ومع طمع القرد في الأكل الرغد، تمكن الغيلم من إغوائه واصطحابه على ظهره إلى قعر الماء، مدعياً إكرامه، مضمراً خيانته والغدر به، وقد وَلَّد تردد الغيلم أثناء مسيره في الماء، الشك في القرد، ففكر ولم يظهر تفطنه بغدره وأوصاه بتنفيذ رغبة زوجته، صدق القرد الغيلم، وأفصح له عما يجول في خاطره، فأعلن القرد عدم إحضاره قلبه معه بحجة أنهم:”معاشر القردة لا يحملون قلوبهم معهم عندما يرحلون خشية أن يستولوا على ما ليس لهم”، وطلب من صديقه أن يعيده إلى الشجرة التي أخذه منها، حتى يمكنه من الحصول على مراده، وعند عودته وتسلقه الشجرة، تأخر عن الغيلم فكره منه ذلك؛ ثم طلب منه العودة، فسخر من الغيلم القرد وضرب له مثل ” الأسد وابن آوى والحمار”، هكذا نجا القرد بنفسه، وأضاع الغيلم حاجته بعد أن ظفر بها.

الســرد:

افتتح السارد حكاية “القرد والغيلم” كما في كل الحكايات السالفة في “كليلة ودمنة”، بصيغة “زعموا أن”؛ وهي صيغة تؤشر إلى بداية السرد، أو بداية القصة بعد الحوار الذي يجري بين المؤلف والملك.

إن هذه البداية تؤشر كذلك إلى مجموعة من المؤشرات تتمثل أولاها في أن بيدبا ليس مؤلف هذه القصص، بل هم قوم آخرون غير معروفين أو على الأقل لا يعرف بهم بيدبا، ولكن يبدو من خلال صيغة “زعموا أن” و”اضرب لي مثلا” اللتين تواجهاننا في بداية الحكاية، أنهم ينتمون إلى الماضي البعيد بكل ما يحمله من معاني، وأنهم حكماء استطاعوا ان يصلوا إلى الحكمة الخالصة وما أشبهها، كما توحي الصيغة بمجرد حضورها على سكوت المؤلف وصمته، وتسليم زمام السرد لشخصيات الحيوانات” القرد والغيلم”، أما ابن المقفع، فإنه يتوارى من المؤلف نهائياً؛ فكما لاحظنا في “كليلة ودمنة” كلها، اقتصر حضوره فقط على مقدمة الكتاب، ثم اختفاؤه في الحكايات كلها. وفي غياب المؤلف الأول والثاني في الحكايات، إيحاء بالرغبة لدى ابن المقفع في الإلمام بواقعية قصصه ووجودها الفعلي، ومنه نستجلي خضوع بناء السرد للمتن الحكائي حيث ستسرد القصة أو تحكى.

يتراءى مما سبق، أن صيغة “زعموا أن” كان لها عدة مؤشرات كما رأينا، وأن المؤلف لم يوظفها عن عفو خاطر، بل كان فيها أيضا بالإضافة إلى إيحاءاتها على توثيق الروايات المحكية بمختلف أنواعها؛ وهو ماذهب إليه عبد الملك مرتاض عندما قال:”وربما يكون عبد الله بن المقفع اصطنع مصطلح “زعموا” لأن الناس كانوا، على عهده، حراصا على الرواية الموثوقة….لذلك ظل المصطلح هو اللازمة السردية الغالبة على نص “كليلة ودمنة””[6]، دلالة تمثلت في إعلان السرد عن نفسه، وأن الحكاية قد بدأت، ذلك أن”السرد يحتاج إلى الإعلان عن نفسه بصيغة من الصيغ تكون بالنسبة إلى الحكاية كالإطار بالنسبة إلى اللوحة، وهكذا فإن عبارة “زعموا أن” تعلن للمتلقي أن السرد قد بدأ وتحدد نوعه.”[7]

من هنا يتبين أن خصائص السرد كما اتفق عليها والتي أشرنا إليها في تعريفات سابقة، حاضرة في الحكاية وإن كانت تنحو منحى الحوار، فقد مثل القرد والغيلم شخصيتان رئيستان دار حولهما حدث “طلب الرجل حاجة، حتى إذا ظفر بها أضاعها”، ومثلت زوجة الغيلم وصديقتها، والقرد الأصغر الذي كان وراء الإنقلاب العسكري على القرد”ماهر” الهرم شخصيات ثانوية، أما “الأسد وابن آوى والحمار” فقد كانوا شخصيات ضرب بهم المثل، فكانت بذلك حكاية صغرى ،ذات مرامي بعيدة، متضمنة في الحكاية الكبرى” القرد والغيلم”. وأما الزمان والمكان فظلا منفتحين يحيلان على أن الحكاية “المثلية فن كوني”؛ فهي حين تصور أشياء كونية ليست مرتبطة بكائن موجود في العالم”[8] وحين تقترن بالحكمة التي تدل على سلوك إنساني، ويضرب بها المثل من أجل غاية إنسانية وخلقية وحكمية وجودية كما في “القرد والغيلم”، تصبح الحكاية المثلية “فنا كونيا”.

من هنا نستنتج أن حكاية “القرد والغيلم” المصنفة ضمن “الحكايا المثلية” الواردة في كليلة ودمنة”، توافرت فيها جل شروط السرد، وبهذا خضعت لتقنيات البنية السردية، وهذا ليس غريباً؛ فخضوع مثل هذه الأجناس الأدبية لخصائص السرد ومميزاته، كان أمراً لابد منه في كل الكتابات السردية القديمة حتى تتماشى مع طبيعة التحولات، والتغيرات، ومختلف الثقافات التي سادت ذلك العصر؛ حتى تكون خطاباتهم ذات أثر إقناعي في من وجهت إليهم، وابن المقفع كشف في حكاياته منذ البداية، عن”حذق غير هين وبراعة بينة في إدارة عملية السرد وخاصة في مفاصلها أو لحظاتها الحساسة الناشئة”[9] يتمثل ذلك في طريقة توظيفه الحجاج كما سيظهر فيما سيأتي في تناول موضوع حكاية “القرد والغيلم” حجاجياً.

الحجــاج:

حرصا على سلامة منهجية الموضوع، ومواصلة الحديث عن السرد لأجل ربطه بالحجاج في إطار علاقتهما بحكاية “القرد والغيلم”، رأينا أن نستهل الحجاج بالمتوالية الآتية:”إن النص ليس سردياً خالصاً، أو وصفياً، بل هو نص حجاجي”[10]*.

أورد محمد مشبال هذه الجمل، في سياق تحليله لاحدى نصوص الجاحظ، خاصة ما تعلق منها بالأخبار، مع طلبة الأدب العربي من سلك الإجازة، واقتبسناها استشهاداً في موضوعنا؛ حتى نتبين إن كانت المتوالية تصدق على كل النصوص مثل حكاية “القرد والغيلم”، أم إنها تنطبق فقط على نصوص الجاحظ.

اتفق كثير من الدارسين أن “الحكاية المثلية” نص حجاجي تهذيبي جمالي، يروم تثبيت قيم أخلاقية/إنسانية وإيصال غرض تعليمي إلى المتلقي. وفي باب “القرد والغيلم” كثير من هذه المقاصد التعليمية /الخلقية تمثلت خاصة في مفهومي الصداقة/العداوة.

وبما أننا ندرس هنا السرد والحجاج، لابد أن نشير إلى أن أغلب المنظرين للحجاج؛ مثل شايم بيرلمان، وميشال مايير، وبيار أوليرون، وآلان بواسينو جميعهم يعرف الحجاج:” أنه جهد إقناعي، وبأنه بعد جوهري في اللغة”[11]. لن نطيل التفصيل أكثر في قضية السرد والحجاج وسوف ننتقل مباشرة إلى تحليل” القرد والغيلم”.

يتميز باب “القرد والغيلم” عن باقي أبواب “كليلة ودمنة”، باحتوائه حكمة وجودية وأحكام فلسفية عميقة مضمنة؛ إذ إن مجمل الأوضاع التي مر بها “القرد والغيلم” تلوح قضية هامة وحاسمة إضافة إلى مفهومي الصداقة /العداوة؛ هي قضية تمييز الحقيقة من الوهم.

إن الحجاج في الباب قيد التحليل؛ لم يأت بصفة صريحة مباشرة، بل سلك بن المقفع في توظيفه سبل” الاستشهاد والاقتباس والتضمين”؛ وقد اتخذ المؤلف هذه الخطة في الكتابة بطريقة تخدم مقصدية حكاية”القرد والغيلم” التي تروم إيصال رسالة إلى المتلقي مفادها ترسيخ أفكار ورؤى تسعى إحداث تغيير إيجابي في المجتمع كله، وهذا ليس غريباً مادامت غاية النص الأساس تحمل معنى علمياً خلقياً وفلسفياً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أراد بن المقفع من ضمن ما سعى إليه “مراعاة المقام” ومقتضى الحال “الذي لا غنى للمتكلم عنه متى رام الفعل في الآخر وأراد إقناعه برأي أو حمله على الإذعان لسلوك أو موقف.”[12]

في هذا الصدد، ورغم أن باب “القرد والغيلم” ينطوي على حجج ضمنية، أكثر منها ظاهرة؛ سوف نحاول استنباط بعض الحجج؛ فالحجة الأولى في النص، تتجلى في البعد الفكري العميق الذي لا يمكن أن يستخلصه إلا القارئ الحصيف، والحجة الثانية تندرج في تقنية توظيف ابن المقفع السرد في الحكاية؛ حيث حافظ على ترتيب الأفكار وعرضها؛ مما يعني أنه من البدهي ” أن تعد الحكاية في بنيتها السطحية سرداً، لكن من الواضح أنها تخدم بعدا أخلاقيا، من وجهة نظر وظيفية، يختزل النص بأكمله إلى حجة”[13]. ومنه يتبين أن هناك تلازم بين السرد والحجاج؛ بمعنى أن كلا منهما يكمل الآخر.

يتميز باب “القرد والغيلم” ،حسب سامي سويدان، عن بقية الحكايا/ الأمثال، بكونه يكتسي “بعداً غرائبياً خاصاً، لكن غرائبيته محدودة، حيث أن الخرافية المعتمدة رمزية فقط، الغرض منها المقصدية الوعظية والتعليمية.”[14] ويمكن اسقاط كلمة الغرابة، على بعض الشخصيات في الحكاية؛ مثلما فعل الغيلم بعدما حمل القرد على ظهره مستدرجاً إياه إلى بيته بعد طول غياب، قال “القرد: يا أخي، ما حبسك عني.

أجاب الغيلم: ما حبسني عنك إلا حيائي: فلم أعرف كيف أجازيك على إحسانك إلي؟ وأريد أن تتم إحسانك إلي بزيارتك لي في منزلي: فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة.فاركب ظهري لأسبح بك.”[15]

إن حمل الغيلم للقرد على ظهره يعد إذن فعلا غريبا، لكنه مبرر، وهذا في حد ذاته نوع من أنواع البلاغة الحجاجية؛ فالغيلم يستدرج صديقه إلى بيته لنزع قلبه، ضارباً بالصداقة التي جمعتهما. القلب الذي طلبته زوجته لتشفى من تمارضها، والتي لجأت إلى هذه الخطة بمعية صديقتها بعد أن طالت غيبة زوجها. صدق الغيلم هذا الادعاء فأراد أن يفتك بصاحبه ويرضي زوجته، لكن تردده أثناء السباحة، سيمكن القرد من استدراك أمره:” وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه”[16]. وفعلا سينجح القرد في التخلص من الغيلم بخطة محكمة لا تقل دهاء عن التي وقع فيها، حيث أوهم صديقه بأنهم معشر القردة يتركون قلوبهم في منازلهم عندما يزورون أحداً حتى لا يستولي عليهم الطمع فيما هو ليس من حقهم:” وما منعك أن تعلمني عند منزلي، حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فهذه سنة فينا معاشر القردة، إذا خرج أحدنا لزيارة صديق، خلف قلبه عند أهله، أو في موضعه، لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وليس قلوبنا معنا.”[17] صدق الغيلم أيضا هذه الفكرة لأنه لم يدرك نباهة القرد، كما لم يدرك مكر زوجته سابقاً ؛ فالغيلم يتأرجح بين “شر” زوجته و”فطنة” صديقه القرد، فهو لا يمارس أي دور فعال للعقل* الذي يعد مركز هذا المثل، بل ينساق وراء كل فكرة. ومنه نكتشف أن الغيلم لا يقوم بأي دور حجاجي إقناعي، وما فعله مع القرد حين أراد استدراجه لا يخدم الغرض الحجاجي لأن نباهة القرد كانت أقوى؛ وسلوك القرد هذا، مثل أرقى أنواع الحجاج، زاد في دعمه عندما روى للغيلم حكاية أخرى وهو يتباهى عليه فوق الشجرة؛ إنها حكاية “الأسد والحمار وابن آوى” التي تجسد نموذجهما. ومضمون الحكاية أن الأسد يضعف عن الصيد فينصحه بن آوى “بقلب” حمار و”أذنيه”. جاء ابن آوى إلى حمار ضعيف فنصحه بترك صاحبه إلى مكان أكثر خصوبة، وجاء به إلى الأسد، لكن الحمار استطاع الهرب، ثم جاء به مرة ثانية إلى الأسد الذي لم يفوت الفرصة هذه المرة فوثب عليه وافترسه. ذهب الأسد يغتسل قبل الأكل، فجاء ابن آوى وأكل قلب الحمار وأذناه، ولما عاد الأسد سأل عنهما:” أين قلب الحمار وأذناه”[18]. قال ابن آوى :” ألم تعلم أنه لو كان له قلب يفقه به، وأذنان يسمع بهما، لم يرجع إليك بعدما أفلت ونجا من الهلكة؟”[19] وتضمين هذه الحكاية هي ما اصطلح عليه سعيد جبار “التوالد السردي “.[20] وهي ما يشير إليها بعض النقاد أنها “”ماوراء السرد” أو”السرد التحتي””[21]. وهكذا، يبدو أن السرد لم يكن:” آداة للإمتاع فقط، ولكنه آداة للتواصل تتغيا الإقناع وتبليغ المعرفة”[22].

نتبين مما سبق، أن المحور الذي تدور حوله تفاصيل الحكاية يدخل ضمن ما يسمى حديثاً بالبعد التداولي للبلاغة، ويتمظهر ذلك في ثلاث أنماط أساسية؛ أولها المقصدية الفكرية والتعليمية التي جسدها بيدبا بوصفه راوياً يتوخى حكمة تَصلح للملك دبشليم ومن بعده ـ المجتمع بمختلف مستوياته ــ، ثانيهما المقصدية الحجاجية الظاهرة على مستوى أفعال الحيوانات وتصرفاتهم ضمن صراعهم نحو البقاء.

وقد ساهم في بناء الحجاج أيضا بناء السرد على التضاد الذي يعتبر وسيلة من وسائل الحجاج، مثل : الصداقة/العداوة، الحذق/الخرق، الذكاء/البلادة،الصدق/الخيانة، الثقة/الغدر،الإحسان/المكر، التحالف/الانفصال، الاحتفاظ/التضييع، الإدانة/الإشادة..

يمكن أن نستخلص من كل هذه التناقضات، جملة من الأفكار أهمها؛ إدانة الغيلم لما توافر فيه من مكر وخداع و غدر واحتيال، والإشادة بصلاح القرد وكرمه وصدقه وحلمه وحفاظه على الثقة التي وضعها في الغيلم إلى حين اكتشافه مكره، ولعل هاته الأفكار تحيلنا إلى موقفين من المواقف التواصلية في الحجاج؛ موقف احتفالي تتم فيه الاشادة بصلاح القرد، وموقف ادعائي يتم من خلاله الدفاع عن موقف إنساني أعمق؛ يتجاوز “القرد والغيلم” إلى معاجة قضايا اجتماعية أخلاقية كبرى منها؛ ضرورة التمييز بين الخير والشر.

وجازة القول، إن باب “القرد والغيلم” قد مثل بالفعل، قضية تداخل السرد والحجاج؛ إذ لاحظنا ذلك منذ بداية الحكاية؛ فمن جهة، حرص ابن المقفع على بناء نصه وتشكيله على نحو يستجيب من خلاله لما تتطلبه النظرية السردية، وتقنيات السرد؛ من شخصيات، وحدث، وزمان، ومكان. ومن جهة ثانية، نجح في توظيفه الحجاج، ورغم أن الحكاية نحت منحى الحوار أكثر منها إلى السرد، إلا أن هذا الحوار، كانت وظيفته ترتيب الأفكار والرؤى، وإثبات المواقف التواصلية التي ترومها حكاية “القرد والغيلم” بشكل خاص، وحكايا “كليلة ودمنة” بشكل عام. وفي رأييي لكي يتمكن النص من إيصال مراميه ومغازيه، لابد أن يكون هناك تلازم وتداخل بين السرد والحجاج، إذ إن وظيفة كل منهما تكمل الأخرى.

لائحة المصدر والمراجع

المصدر:

كليلة ودمنة، عبد الله ابن المقفع، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى1986.

المراجع:

إبراهيم بن صالح/هند بن صالح ،سلسلة فوانيس، الحكاية المثلية عند بن المقفع، ، دار محمد علي الحامي تونس، الطبعة الأولى،2003.

حميد الحميداني، بنية النص السردي (من منظور النقد الأدبي)، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى آب 1991.

روبير مارتان، في سبيل منطق المعنى، ترجمة و تقديم: الطيب الكوشي/صالح ماجري، مركز دراسات الوحدة العربية،، الطبعة الأولى، كانون الأول، ديسمبر 2006.

سامي سويدان، في دلالية القصص وشعرية السرد، الفصل الرابع/ الجنس العقلي في النص الخرافي، باب “القرد والغيلم” من كتاب “كليلة ودمنة”، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى/1991.

سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، عالم الكتب الحديث، جدارا للكتاب العالمي،د.ت.

سيمون شاتمان،مجلة الصورة، عدد خاص عن الملف البلاغي، الحجاج والسرد، ترجمة عبد الواحد التهامي، مراجعة محمد مشبال.

سعيد جبار، التوالد السردي، قراءة في بعض أنساق النص التراثي، جذور للنشر، الطبعة الأولى، 2006.

عبد العزيز شبيل، التناص والتراث العربي بين” كليلة ودمنة” و “الأسد والغواص”، حوليات الجامعة التونسية، عدد 52/2007، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة.

عبد الملك مرتاض ،عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، في نظرية الرواية/ بحث في تقنيات السرد، ، ديسمبر 1998.

عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل، ، دراسات في السرد العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1999.

فرج بن رمضان،الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس الأدبية”القصص”، دار محمد علي الحامي، الطبعة الأولى، جويليه 2001.

محمد مشبال،البلاغة والسرد، التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ، منشورات كلية الآداب جامعة عبد المالك السعدي، تطوان 2010.

محمد مشبال، محاضرات في النثر العباسي لطلبة الأدب العربي ،سلك الإجازة،15/01/2003 .

والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة 1998.

[1] حميد الحميداني،بنية النص السردي (من منظور النقد الأدبي)، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى آب 1991. ص 45.

[2] عبد الله ابن المقفع، “كليلة ودمنة”، باب”القرد والغيلم” ، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى1986، ص 301.

[3] عبد العزيز شبيل، التناص والتراث العربي بين” كليلة ودمنة” و “الأسد والغواص”، حوليات الجامعة التونسية، عدد 52/2007، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، ص 148.

[4] باب “القرد والغيلم”، ص 304.

[5] عبد العزيز شبيل، في دلالية القصص وشعرية السرد، الفصل الرابع/ الجنس العقلي في النص الخرافي، باب “القرد والغيلم” من كتاب “كليلة ودمنة”، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى/1991، ص148.

[6] عبد الملك مرتاض، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، في نظرية الرواية/ بحث في تقنيات السرد، ديسمبر 1998.ص 142.

[7] عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل، دراسات في السرد العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1999، ص34.

[8] روبير مارتان، في سبيل منطق المعنى، ترجمة و تقديم: الطيب الكوشي/صالح ماجري، مركز دراسات الوحدة العربية،، الطبعة الأولى، كانون الأول، ديسمبر 2006، ص358.

[9] فرج بن رمضان، الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس الأدبية”القصص”، دار محمد علي الحامي، الطبعة الأولى، جويليه 2001، ص 142.

[10] محمد مشبال، محاضرات في النثر العباسي لطلبة الأدب العربي ،سلك الإجازة، 15/01/2003 .

[11] إبراهيم بن صالح/هند بن صالح، سلسلة فوانيس، الحكاية المثلية عند بن المقفع، دار محمد علي الحامي تونس، الطبعة الأولى،2003، ص 102.

[12] سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، عالم الكتب الحديث، جدارا للكتاب العالمي،د.ت، ص 90.

[13] سيمون شاتمان،مجلة الصورة، عدد خاص عن الملف البلاغي، الحجاج والسرد، ترجمة عبد الواحد التهامي، مراجعة محمد مشبال، ص 56.

[14] مرجع سابق، في دلالية القصص وشعرية السرد، ص177.

[15] باب “القرد والغيلم”، ص 304.

[16] باب “القرد والغيلم”، ص 310.

[17] نفسه، ص 310.

[18] نفسه، ص 314.

[19] نفسه، ص 314.

[20] سعيد جبار، التوالد السردي، قراءة في بعض أنساق النص التراثي، جذور للنشر، الطبعة الأولى، 2006، ص 122.

* ذكرنا هذه اللفظة كي نبين حسب ما أشار إليه سامي سويدان في دلالية القصص وشعرية السرد أن باب “القرد والغيلم” يتضمن رؤية عقلانية؛ هذه الرؤية العقلانية تتوسل شكلاً بسيطاً لتبليغ البعيد والعميق من طروحاتها، وهو أمر يتلاءم مع الهم الاصلاحي الذي يتوخى الفعالية الأقوى في الإفهام والاتساع الأقصى في دائرة الاتصال والتواصل.

[21] والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة 1998.ص 179.

[22] محمد مشبال، البلاغة والسرد، التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ، منشورات كلية الآداب جامعة عبد المالك السعدي، تطوان 2010، ص13.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سؤال الكتابة وإنتاج المعرفة في فكر محمد عابد الجابري

نبيل بنعمرو

أكيد أن الحديث عن الصرح الفكري الذي شيده المفكر العربي محمد عابد الجابري على مدى ما يُناهز الأربعين سنة، هو حديث من الصعب أن يُختزل في صفحات معدودات تذكر بعناوين مؤلفاته، التي تشكل أعمدة الفكر العربي المعاصر، أو تشكل محطات حياته التي يمتزج ويتداخل فيها الفكري بالسياسي وبالتربوي. ذات يوم سئل محمود درويش عن السبب في عدم وجود تألقات إبداعية في الشعر والرواية في المغرب تضاهي تلك التي نشاهدها في المشرق العربي فأجاب :’ إن كان الأمر كذلك، فللمغرب الريادة في الفكر’، وكان ولا شك يضع نصب عينيه أعمال الجابري تحديدا عندما صاغ هذا الجواب اللبق! لا شك في أن رحيل الجابري كان مفاجئا لجل المثقفين والقراء في الوطن العربي عامة.فقد شعرنا بصعوبة في تقبل الأمر، وظلت هناك مسافة بيننا وبين الخبر لمدة ليست بالهينة. ربما لأنه كان وفيا لموعده مع القراء في إطلالته عبر موقعه على الإنترنت كل يوم ثلاثاء! ربما أيضا لأن آخر مقال كتبه الدكتور الجابري أنهاه على طريقته المعهودة: ‘….والمقال ذو صلة .. ‘. لكن الصلة انقطعـت هذه المرة، فلقد اختاره الرفيق الأعلى إلى جواره، ولن يعود بإمكاننا أن نقرأ له قولا جديدا نوافقه عليه أو نختلف معه فيه. كان الجابري يحس دون شك بدنو أجله. فقد أشار الى هذا في آخر محاضرة له في الرياض، عندما قال : ‘.. من حق قرائي في المملكة العربية السعودية وهم كثيرون وإخوان جميعهم، الذين يطرون بغير حساب والذين ينتقدون بحساب أو بغيره، من حقهم جميعا علَيّ أن يعرفوا شيئا من سيرتي التي يعني …لا بد أنها تقترب من نهايتها وهذا حكم الله في الدنيا… ‘. عندما يموت شخص كبير فإنها خزانة تحترق، كما يقول الفرنسيون، هذه المرة الخزانة من نوع خاص: غزيرة ومتنوعة. فعلا، فقد كتب الجابري في ميادين متباينة من الإبستمولوجيا، والفلسفة، والعلوم، الى الأخلاق، والتفسير، ونقد العقل، مرورا بالسيرة الذاتية. إنه كما وصفه الأستاذ نور الدين أفاية في برنامجه الناجح، أغزر من كتب من المغاربة في القرن العشرين. مؤلفاته تربو على الأربعين كتابا. لا نجازف إن قلنا إن كل كتاب من كتب المرحوم الجابري بمثابة أطروحة. كان الرجل يتحلى بالصبر، والثبات على الكتابة والبحث، والإصرار على المضي قدما نحو إرساء دعائم جديدة وأصيلة لنهضة العالم العربي. نهضة لن تتأتى إلا إذا تم ‘استئناف النظر في تاريخ الثقافة الإسلامية من جهة أولى وبدء النظر في كيان العقل العربي وآلياته من جهة ثانية’ وهو ما تُوِّج بمشروع متميز وغير مسبوق في العالم العربي: نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة، ثم مشروعه الأخير ‘فهم القرآن’ بأجزائه الأربعة كذلك. وبين المشروعين كتب نفيسة تعزز وتؤكد الهاجس نفسه والهم الثقافي عند الكاتب، منها: ‘المثقفون في الحضارة العربية’، ‘المشروع النهضوي العربي’، ‘الدين والدولة وتطبيق الشريعة’، ‘المسألة الثقافية’.. كان الجابري زاهدا في مُتع الحياة. إنه الشخص الذي وهب نفسه للكتابة والبحث. لقد أدرك مبكرا الحكمة التي تقول: ‘العلم إذا أعطيته كٌلك أعطاك بعضه، وإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئا ‘. والفضل في هذا يعود كما ورد في الإهداء الذي صدَّر به كتاب ‘مدخل إلى القرآن الكريم’: ‘إلى العظيمة حقا وصدقا: زوجتي التي تكلَّفت بشؤون البيت والأولاد لتفسح لي المجال للبحث والكتابة، دون أن ترى في الكتاب منافسا لها، ولا متطاولا على حقوقها، بل كانت تُعامله كواحد من أبنائها. ‘ هل نحتاج للتذكير بأنّ وراء كل عظيم امرأة؟ و مِما أسرَّه لنا الأستاذ المرحوم أحمد السطاتي عند سؤالنا له عن زميله الجابري أنه ‘كان يرتدي لباس نومه يوم الجمعة مساءً ولا يغيره إلا صباح يوم الجمعة الموالي عند ذهابه الى كلية الآداب بالرباط لإلقاء دروسه!’. بدايات محمد عابد الجابري في التأليف كانت ـ بعد أُطروحته في الدكتوراه حول نظرية ابن خلدون في العصبية والدولة ـ في فلسفة العلوم،وكان من الأوائل الذين دشَّنوا القول في هذا المجال في العالم العربي. جاء مؤلفه ‘مدخل الى فلسفة العلوم’ ليعبِّر عن الهاجس البيداغوجي في أعمال وتفكير الجابري. لقد أدرك أننا في الوطن العربي ‘ما زلنا متخلفين عن ركب الفكر العلمي، تقنية، وتفكيرا، وما زالت الدراسات الفلسفية عندنا منشغلة بالآراء الميتافيزيقية أكثر من اهتمامها بقضايا العلم، والمعرفة، والتكنولوجيا، الشيءالذي انعكست آثاره على جامعاتنا ومناخنا الثقافي العام’. فكان مُراده هو الدفع بالمدرسة والجامعة في الوطن العربي إلى ‘مسايرة تطور الفكر العلمي، وملاحقة خطاه، والمساهمة في إغنائه وإثرائه ـ من جهة ـ والعمل على نشر المعرفة العلمية على أوسع نطاق من جهة ثانية’. أليست التنمية هي العلم عندما يصبح ثقافة؟ إننا لندهش كيف تمكن مؤلف ‘نحن والتراث’من الغوص في كل تلك النظريات العلمية المعقدة في الهندسة، والجبر، ونظرية البنية، والزُّمرة، الى مفهوم الاتصال والإنفصال بين الفيزياء الكلاسيكية والكوانتية، مرورا بنظرية النسبية المقصورة والمعممة. كانت وصيته أن تُدرَّس الإبستيمولوجيا وفلسفة العلوم في الكليات العلمية لأن طلابها أكثر استعدادا لفهم تلك النظريات العلمية وما وراءها، وبالتالي فهم تاريخية تلك الكشوفات والنظريات العلمية الشيء الذي سيربي عند المتلقي الحس النقدي والنظرة النسبية للعلم، وهو الشيء الذي لم يتحقق الى اليوم مع الأسف! ومن اللافت للنظر أيضا أن الجابري لاحظ أن محاولات التأريخ للعلوم عند العرب، في الأدبيات العربية الحديثة، ‘ما زالت محاولات وطنية قومية ترمي الى إبراز مآثر العرب الجزئية في هذا الميدان العلمي أو ذاك، ولكنها لم ترقَ بعدُ إلى مستوى التأريخ لتطور الفكر العلمي العربي ككل، وبيان أسسه الفكرية، وأدواته الذهنية، وتأثيره في الحضارة العربية ككل’. على أنه من الإنصاف الإشارة إلى أنه تم استئناف القول في هذه الأمور مع الأستاذ سالم يفوت في كتابه القيم ‘نحن والعلم ‘، مما دفعنا يوما لمكاتبة صاحب ‘نقد العقل العربي’ طالبين منه تدشين القول في نقد الفكر ـ لا العقل ـ العلمي عند العرب بعد صدور ‘العقل الأخلاقي العربي’، فكان جواب المرحوم أنه من السابق لأوانه التعاطي مع موضوع كهذا لأن أغلبية التراث العلمي العربي عبارة عن مخطوطات أغلبها مفقود! ثم أضاف أنه ربما تكون هناك محاولة لكتابة شيء بمثابة مقدمة في الموضوع !وقد تبين بعد ذلك أن الكتابة حول القرآن كانت أكثر إلحاحا على الفقيد، وربما أيضا لأن حياة واحدة لا تتسع لتحديات الشسوع الزمني التي أوقف حياته عليها. مشروع الجابري، عمل مُنهِك لصاحبه، لأنه ـ ببساطة ـ ليس عمل فرد واحد، بل هو عمل أكاديمية، أو فريق بحث متعدد التخصصات. كان يترك لديك انطباعا أنّه يحمل على كتفيه أثقالا أكبر من أن يتحمّلها فرد بعينه، ولعلّ ذلك ما كان يدفعه نحو العمل المتواصل، بل اللامحدود كما وصفه بحق الأستاذ عبد السلام بن عبد العالي. الآن نحس بفداحة الخسارة الناجمة عن فقدان محمد عابد الجابري، فبموته يتسلل الصمت، أو الظلام، إلى إحدى الجهات المنتجة للضوء في الفكر العربي الحديث،كما عبّر عن ذلك بيت الشعر في المغرب في تأبينه الفقيد. لقد توقف تفكير الجابري لأن التفكير بالنسبة لكل شخص مرتبط بالحياة. فمن يا ترى يستطيع بعد الآن أن يحرج تفكيرنا بجرأة الأسئلة، وأن ينسينا لوعة غياب الجابري؟ سؤال يصعب الجواب عنه. لقد كان الجابري أول من استأنف النقد بعد ابن خلدون، لكنه هذه المرّة نقد آليات إنتاج المعرفة. وهو بهذا الشكل يمثل ‘قطيعة ابستمولوجية’ مع جيل المؤسسين الأوائل في القرن الماضي الذين نظَّروا للنهضة العربية مقتصرين على الوصف بينما اعتمد فقيدنا على تحليل نُظم المعرفة بشتى أنواعها من نحو، وفقه، وكلام، وبلاغة، وتصوف، وفلسفة حيث أنه في مشروعه النقدي قام ‘برحلة داخل أروقة الثقافة العربية، رحلة نقدية’ انصرف اهتمامه خلالها ‘إلى أُسس هذه الأروقة وأعمدتها وليس إلى معروضاتها’. لقد شكلت أبحاث الدكتور الجابري منعطفا في الدراسات التراثية. فالآن يمكننا أن نتحدّث بكل فخر واعتزاز عن مرحلتين تاريخيتين منفصلتين. مرحلة ما قبل الجابري، ومرحلة ما بعد الجابري. إنه ـ إلى جانب ذلك ـ نموذج للمثقف العضوي بالمعنى ‘الكرامشي’ للكلمة. لقد هدم الهوة بين السياسي والثقافي ولم يعد المثقف مع الجابري ذلك الشخص المتحصن في برجه العاجي والذي ينتج لنا أفكارا ونظريات بعيدة عن نبض الشارع. كذلك من أهم مميزات كتاباته، اللغة التي ابتكرها. إنها لغة تداولية جماهرية مكنته من إيصال أفكاره الى شرائح مختلفة من المجتمع، فاستطاع بذلك أن يدغدغ أفكار قراء كثيرين لا ينتمون بالضرورة إلى مجال الفكر والفلسفة، الشيء الذي عجز عنه كثير من مثقفينا لاعتمادهم لغة أكاديمية يصعب فهمها على غير المختصين. على الصعيد النظري، من بين المسائل التي نجد لها حضورا طاغيا في أعمال الجابري هي ولا شك مسألة تبيئة المفاهيم، أو تأصيلها الثقافي. هذه العملية التي ترتكز على القيام بخطوتين: ‘الأولى التعرف عن قرب على تاريخ المفهوم الذي يراد نقله، تاريخه كما تعطيه المرجعية التي ينتمي إليها، أما الخطوة الثانية فهي النظر في كيفية إعادة استنبات ذلك المفهوم في المرجعية التي يراد نقله إليها’. في الجزء الثالث من موسوعة ‘نقد العقل العربي’ وهو العقل السياسي العربي لم يستعمل الجابري التصنيف الثلاثي للنظم المعرفية في الثقافة العربية، وهي: البيان، والعرفان، والبرهان، كما حددها في الجزأين الأولين من المشروع اللذين كانت مادتهما العقل العربي المعرفي الخالص، ذلك لأن العقل السياسي العربي ‘يوظف مقولات، وآليات مختلف النظم المعرفية حسب الحاجة’. هذا ما دفع المفكر الراحل إلى توظيف مفاهيم مستعارة من الفكر العلمي الاجتماعي المعاصر. لكن قبل استعمالها في مجال غريب عنها، يجب بالضرورة تبيئة هذه المفاهيم. ذلك ما قام به الجابري بالنسبة إلى مفهوم ‘اللاشعور السياسي’ و’ المخيال الإجتماعي’ و’ المجال السياسي’ كمفاهيم كيّفها لإعادة قراءة التاريخ السياسي العربي بواسطتها لإبراز محددات وتجليات العقل السياسي العربي والتي هي: القبيلة، الغنيمة، والعقيدة. الشيء نفسه قام به الجابري عندما بدأ بكتابة مؤلفه: ‘المثقفون في الحضارة العربية’ ( فلقد انتابه شعور بالفراغ لأن المرجعية الثقافية العربية لم تسعفه في تحديد معنى واضح ودقيق لكلمة ‘مثقف’)، ذلك لأن هذه الكلمة ‘لا ترتبط في الثقافة العربية بمرجعية محددة ‘. فإذا نحن استعنا بالقاموس، نجد أن المثقف والثقافة لغة، مشتقان من مادة ( ثقِف)، والتي تدل على عدة معان منها : الحذق، وسرعة الفهم، والفطنة، والذكاء، وسرعة التعلم، وتسوية المعوج من الأشياء، والظفر بالشيء. ففي التنزيل العزيز: ‘واقتلوهم حيث ثقفتموهم’. يدل هذا دلالة قاطعة على أنه لم يكن لكلمة ‘مثقف’ عند العرب والمسلمين ذلك الوزن الذي يعطى لها اليوم. إنه مفهوم وافد إلينا من ثقافة أخرى. هذا وعلى الرغم من الرواج الواسع الذي يحظى به هذا المصطلح / المفهوم في الخطاب العربي المعاصر، فإنه كما لاحظ الجابري، لا يزال مفهوما ضبابيا، وذلك راجع لكونه لم تتم تبيئته بالشكل الصحيح داخل الثقافة العربية الإسلامية. وهكذا بقي الإنسان العربي ‘الذي يوصف بأنه مثقف، ويتحدث عنه بوصفه كذلك، لا يتعرف الى نفسه بوضوح، لا يعرف لماذا يوصف بذلك الوصف ولا يدري هل يقبله أو لا يقبله’. وإذا كان المؤلفون القدماء قد استعملوا بدلا من كلمة ‘مثقف’ أسماء أخرى تحدد وتعين مثل: علماء، فقهاء، نحاة، كتاب…الخ، فمن من بين هؤلاء يمكن تخصيصهم بنعتهم مثقفين؟ هنا يرجع بنا الجابري القهقرى للتمكن من معرفة مدلول هذا المصطلح في مرجعيته الأصلية، وهي هنا أساسا اللغة الفرنسية. ففي 1898م صدر بيان لمجموعة من الشخصيات المرموقة من عالم الفكر والأدب في فرنسا كإميل زولا أطلق عليه ‘بيان المثقفين’ لاستنهاض الرأي العام الفرنسي للمطالبة بإعادة محاكمة الضابط الفرنسي Dreyfus في القضية التي اشتهرت باسمه والتي تعتبر المرجعية التاريخية والسياسية والفكرية لمقولة ‘المثقفين’. وهكذا فالمثقف بهذا المعنى يتحدد وضعه لا بنوع علاقته بالفكر والثقافة ـ وليس بالضرورة أن يكون فيلسوفا أو كاتبا ـ بل يتحدد وضعه ‘بالدور الذي يقوم به في المجتمع كمُشرع ومعترض ومبشر بمشروع’. إنه شخص، بحكم موقعه الاجتماعي يتمتع بنوع من السلطة التي يسخرها من أجل الإقناع والإقتراح، والمناقشة ،بهدف انعتاق الحس النقدي داخل المجتمع. إذن منذ قضية درايفوس، فإن كلمة ‘مثقف’ تستخدم على وجه التحديد لوصف الشخص الذي يشارك في الحياة العامة للدفاع عن القيم كإميل زولا وأوكتاف ميرابو في التزامهما في قضية الضابط درايفوس، وجان بول سارتر، وبيار فيدال، في شجبهما للتعذيب في الجزائر، وميشيل فوكو في معاركه من أجل حقوق السجناء، وبيار بورديو في دفاعه عن العاطلين عن العمل، أو نعوم تشومسكي عندما ينتقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة وسياسة إسرائيل. المثقف بهذا المعنى هو ضمير المجتمع. إنه بالضرورة ملتزم كما يقول سارتر. هو شخص يستشعر المسؤولية الخطيرة والجسيمة داخل مجتمعه، فيتمثل دور النبي لا دور الفيلسوف الذي يُعاب عليه أنه اكتفى بوصف العالم، في حين كان عليه تغييره. يتجلى لنا الآن أن الرغبة في الكشف عن الحقيقة، والتحلي بالشجاعة، هما شرطان أساسيان لكي يكون الشخص مثقفا. أن يخرج إلى الشمس لمُوَاجَهَة الواقع من خلال تعميم المعرفة. ينقلنا الجابري عبر منهج ارتدادي الى حقيقة تاريخية أخرى وهي أن المثقفين في العصور الوسطى في أوروبا هم من نتاج المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية، وأنه ‘إذا كان ثمة فئة من العاملين بفكرهم في الحضارة العربية الإسلامية تنطبق عليها، مقولة ‘المثقفون’، فهي بكل تأكيد الفئة التي تحمل اسم ‘المتكلمون والفلاسفة’، ونضيف إليهم الفقهاء. وإذا نحن تأملنا سيرة ومواقف المثقفين في الإسلام نجد أن طابع المحنة يتجلى في أغلبها، وفي جميع الأحوال، فإن المثقف الممتحَن إنما يُمتحن لأنه يمتلك سلطة كما أوضحنا من قبل،’ سلطة التحدث باسم الدين، أي باسم الشرعية، ولأنه كذلك يحظى بمساندة العامة’ وهو يُمتحن أيضا بسبب ‘هذا التأييد الجماهري’. ذلك ما يمكن استشفافه من خلال محنة ابن حنبل في مسألة ‘خلق القرآن’ أيام العباسيين، ونكبة ابن رشد في آخر أيامه على عهد الموحدين، ومحن أخرى يرويها لنا كتاب التراجم والطبقات. من حقنا الآن أن نتساءل، هل تراجع دور المثقف العربي في الوقت الحاضر؟ أم أننا بصدد مثقفين من نوع آخر؟ يرى الأستاذ عبد الإله بلقزيز أنه ‘تشكلت ميليشيات ثقافية عربية معولمة تفرغت لإنجاز عمليات خلف خطوط ‘عدوها’ الجديد: أي المجتمع، والوطن، والأمة، والهوية والثقافة.. إلخ، مطمئنة إلى أن أمنها محمي من الدول الغربية التي توكل إليها تلك المهمة القذرة’. ما الذي نستطيع أن نرجوه إذن، من ‘مثقفين’ ينشدون التقدم بوعي الأمة، أو المجتمع وهم في وعيهم معتوهون؟ ما جدوى الخطب الرنانة إذا لم يقترن القول بالفعل؟ ففي الذكر العزيز ‘كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون’. إن الوفاء للجابري، يقتضي منا السير على خطاه للتمكن من إكمال مشروعه الفكري وإغنائه بصفته ثروة ومفخرة للجميع ولكل الأطياف المؤثثة لمشهدنا الثقافي. إن الجابري يمثل بحق ‘النبوغ المغربي’ الذي تحدَّث عنه عبد الله كنون. إنه يجعلنا فخورين بانتمائنا لهذا الوطن، فعسى أن نكون قد استلهمنا مشروعه الفكري ‘لنملأ ساحتنا الثقافية بقضايا من تراثنا لها علاقة مباشرة باهتمامات شعوبنا، اهتمامات النخبة والشباب والجماهير’.

أستاذ باحث من المغرب

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: